الظلّ الذي لا يريد العالم رؤيته ….قراءة يونغية بين ضحايا إبستين وضحايا غزة .
بقلم زهرة العلى .
الظلّ الذي لا يريد العالم رؤيته
قراءة يونغية بين ضحايا إبستين وضحايا غزة
قد يبدو الربط بين ضحايا جيفري إبستين وضحايا غزة مستفزًا للوهلة الأولى: هنا استغلال جنسي داخل عالم النخب، وهناك حرب مفتوحة في مدينة محاصرة. لكن من منظور علم النفس عند كارل يونغ، المشهدان يلتقيان عند نقطة واحدة: انكشاف “الظلّ” الذي ترفض الحضارة الاعتراف به.
يونغ استعمل مصطلح Nigredo – الاسوداد ليصف اللحظة التي تنهار فيها أوهام الإنسان عن العالم ويواجه حقيقته القاسية. ليست مرحلة مرض، بل بداية وعي مؤلم. وما جرى في قضية إبستين، كما ما يجري في غزة، يشبه هذا الاسوداد: لحظة تظهر فيها البنية الخفية للشرّ.
إبستين: ظلّ يخرج من قلب المجتمع
صدمة إبستين لم تكن في وجود مجرم واحد، بل في الشبكة التي أحاطت به: سياسيون ورجال أعمال ومؤسسات يفترض أنها تحمي الإنسان. الضحايا لم يُغتصبوا فقط، بل طُلب منهم الصمت، وأحيانًا تم تحميلهم جزءًا من الذنب.
هذه هي آلية إسقاط الظل كما يصفها يونغ:
المجتمع يرفض رؤية قبحه، فيضعه على جسد الأضعف.
النتيجة كانت جرحًا نفسيًا عميقًا: عار، فقدان ثقة، وشعور بأن العالم نفسه متواطئ.
غزة: اسوداد جماعي
في غزة يأخذ الظلّ شكلًا أكثر قسوة. العنف هناك علني ومتواصل: بيوت تُهدم، عائلات تُمحى، وطفولة تُقصف أمام الكاميرات. الصدمة ليست فردية بل وجودية؛ الإنسان يفقد إحساسه بأن العالم مكان قابل للسكن.
والأقسى أن الضحية تُتَّهم غالبًا بما يُرتكب ضدها.
إنها آلية الإسقاط نفسها لكن على نطاق تاريخي:
ظلّ القوة الاستعمارية يُعلّق على جسد المقهور كي يبقى الضمير مرتاحًا.
اختلاف الشكل… وتشابه الجوهر
الفارق بين الحالتين كبير:
في إبستين العنف جنسي وسرّي،
في غزة عسكري ومعلن.
لكن المشترك واحد:
تحويل الضحية إلى حاملةٍ لذنب لم ترتكبه.
الفتاة المستغلة تُسأل عن سلوكها،
والمدني المحاصَر يُسأل عن “تبرير وجوده”.
في الحالتين يهرب المجتمع من مواجهة ظله الحقيقي: سلطة تتحول إلى افتراس، وقوة تتحول إلى محو.
حدود العلاج
العلاج اليونغي يقوم على الاعتراف والحكي وإعادة بناء المعنى. هذا ممكن لضحايا إبستين داخل مسار علاجي طويل.
أما في غزة فالألم يتجاوز قدرة أي جلسة نفسية؛ فـلا شفاء دون عدالة فعلية، ودون توقف العنف الذي يعيد إنتاج الصدمة كل يوم.
سؤال أخلاقي مفتوح
تكشف القصتان أن الحداثة تخاف من مرآتها. تفضّل وصف ما يحدث بأنه “تجاوزات فردية” بدل الاعتراف بأن الشرّ قد يصبح نظامًا كاملًا.
لو كان يونغ بيننا لقال إن مستقبل العالم يتوقف على شجاعة واحدة:
الاعتراف بالظلّ بدل تعليقه على أجساد الضحايا.
من دون ذلك سيبقى الاسوداد قدرًا يتكرر:
مرّة في جزيرة فاخرة، ومرّة في مدينة اسمها غزة.



