banner ocp

الأحزاب السياسية المغربية… كائنات انتخابية تتحرك في كنف الدولة !!

0

الأحزاب السياسية المغربية… كائنات انتخابية تتحرك في كنف الدولة !!

في كل محطة انتخابية بالمغرب، تعود الأحزاب السياسية إلى الواجهة بقوة، تعقد التجمعات، وتطلق الوعود، وترفع الشعارات، وتتنافس على استمالة الناخبين. غير أن هذا الحضور المكثف سرعان ما يخفت بعد إعلان النتائج، لتدخل الحياة الحزبية في حالة من السكون تمتد إلى غاية الاستحقاق الانتخابي الموالي. هذا الواقع جعل عدداً من المتتبعين يصفون الأحزاب السياسية المغربية بأنها تحولت إلى “كائنات انتخابية” أكثر منها مؤسسات سياسية حية ومؤطرة للمجتمع.

فالأصل في الأحزاب، وفق المفهوم الديمقراطي، أن تكون فضاءات للنقاش العمومي، ومختبرات لإنتاج الأفكار والبرامج، ومدارس لتكوين النخب السياسية القادرة على تدبير الشأن العام. غير أن الممارسة السياسية في كثير من الأحيان أفرغت العمل الحزبي من هذه الوظائف الأساسية، ليصبح النشاط الحزبي موسميًا، مرتبطًا أساسًا بالانتخابات وما تتيحه من فرص للتموقع داخل المؤسسات المنتخبة.

ولا يقف النقد عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى الحديث عن علاقة معقدة بين الأحزاب والدولة، حيث يرى البعض أن جزءًا من الأحزاب لم يعد يتحرك باستقلالية كاملة، بل أصبح يتحرك في كتف الدولة وداخل هوامش محددة من الفعل السياسي. ويتجلى ذلك في التحالفات المتقلبة، وفي غياب الفوارق الإيديولوجية الواضحة بين عدد من التنظيمات الحزبية، مما يجعل المشهد السياسي في كثير من الأحيان يبدو وكأنه صراع حول المواقع أكثر منه تنافسًا حول المشاريع والبرامج.

كما أن ضعف التأطير السياسي داخل المجتمع يطرح بدوره أكثر من علامة استفهام. فالكثير من المواطنين، خصوصًا الشباب، أصبحوا ينظرون إلى الأحزاب بنوع من الشك أو اللامبالاة، نتيجة الشعور بأن هذه التنظيمات لم تعد قادرة على تمثيل تطلعاتهم أو الدفاع عن قضاياهم اليومية. وهو ما يفسر في جزء منه ارتفاع منسوب العزوف السياسي وتراجع الثقة في العمل الحزبي.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة الحزبية المغربية في هذا التشخيص وحده، فداخل عدد من الأحزاب ما تزال توجد طاقات سياسية حقيقية، ونخب تسعى إلى تجديد الممارسة الحزبية وربطها أكثر بقضايا المجتمع. كما أن المسار الديمقراطي في المغرب يظل بحاجة إلى أحزاب قوية ومستقلة وقادرة على تأطير المواطنين والمساهمة في تطوير الحياة السياسية.

إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بانتقاد واقع الأحزاب، بل يتجاوز ذلك إلى البحث عن سبل إعادة الاعتبار للعمل الحزبي ليصبح فعلًا سياسيًا يوميًا، مرتبطًا بالمواطنين وقضاياهم، وليس مجرد نشاط موسمي يظهر مع اقتراب صناديق الاقتراع.

فالديمقراطية لا يمكن أن تقوم على كائنات انتخابية عابرة، بل تحتاج إلى أحزاب حقيقية، حاضرة في المجتمع، ومؤمنة بدورها في التأطير والتغيير وصناعة المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.