الرحامنة : جماعة سيدي غانم بين مطرقة التهم الثقيلة وسندان الصمت… كيف يواصل رئيس جماعة متابع في تبديد المال العام تدبير الشأن المحلي؟!
في مشهد يختزل أعطاب التدبير المحلي بالعالم القروي، تعيش جماعة سيدي غانم بإقليم الرحامنة على وقع مفارقة صادمة ، جماعة ترابية ترزح تحت وطأة الهشاشة والتهميش وضعف الخدمات الأساسية، يقود مجلسها الجماعي رئيس يتابع أمام القضاء بتهم ثقيلة مرتبطة بتبديد المال العام، ومع ذلك ما يزال يواصل ممارسة مهامه بشكل عادي، في ظل صمت يثير الكثير من علامات الاستفهام.
القضية التي يتابع فيها ، رئيس جماعة سيدي غانم، لم تعد مجرد ملف قضائي معروض أمام غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش، بل تحولت إلى قضية رأي عام محلي، أعادت إلى الواجهة أسئلة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدى قدرة مؤسسات الرقابة على حماية المال العام من العبث وسوء التدبير.
تفاصيل الملف القضائي رقم 16/2623/2023 تكشف، بحسب معطيات التحقيق، عن اختلالات خطيرة في تدبير الممتلكات الجماعية، خاصة ما يتعلق بالدكاكين والمساكن التابعة للجماعة.
فوفق صك الاتهام، ظل عدد من المستفيدين يستغلون هذه العقارات لسنوات دون أداء واجبات الكراء، في غياب إجراءات قانونية صارمة تلزمهم بالأداء أو تفضي إلى فسخ العقود واسترجاع المحلات، رغم أن كناش التحملات ينص بوضوح على ذلك.
وتشير المعطيات نفسها إلى عدم تفعيل الزيادة القانونية في السومة الكرائية المحددة في 10 في المائة كل ثلاث سنوات، ما تسبب في خسائر مالية مهمة لميزانية الجماعة، التي تعاني أصلا من ضعف مواردها الذاتية.
النيابة العامة تابعت رئيس الجماعة بجناية تبديد أموال عامة موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته، طبقا للفصل 241 من القانون الجنائي المغربي، بعد انتهاء التحقيقات التي أشرف عليها قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمراكش.
بعيدا عن لغة الأرقام والوثائق، تبدو آثار هذه الاختلالات واضحة على واقع جماعة سيدي غانم، حيث لا تزال عدة دواوير تعاني من ضعف الربط بالماء والكهرباء، وتهالك المسالك الطرقية، وغياب فضاءات للشباب والنساء والأطفال.
الساكنة المحلية ترى أن الجماعة كانت في أمسّ الحاجة إلى تلك الموارد المالية الضائعة، من أجل تمويل مشاريع اجتماعية وتنموية حقيقية، بدل استمرار نزيف المداخيل وسط حالة من الجمود التنموي.
فاعلون جمعويون بالمنطقة يعتبرون أن ما تعيشه الجماعة اليوم ليس وليد الصدفة، بل نتيجة سنوات من التدبير المرتبك وغياب رؤية تنموية واضحة، مؤكدين أن المواطن القروي هو أول من يؤدي ثمن أي اختلال في تدبير المال العام.
ورغم خطورة التهم الموجهة لرئيس الجماعة، فإن الملف ما يزال يدور في حلقة مفرغة بسبب تعثر إنجاز الخبرة الحسابية التي أمرت بها المحكمة.
ففي أبريل 2025، أصدرت هيئة الحكم قرارا تمهيديا يقضي بإجراء خبرة ميدانية دقيقة داخل مقر الجماعة، لجرد المبالغ غير المستخلصة من واجبات الكراء وتحديد حجم الضرر المالي اللاحق بميزانية الجماعة.
غير أن الخبير المعين لم ينجز مهمته إلى حدود الساعة، ما تسبب في تأجيل الملف عشرات المرات، حتى تجاوز عدد الجلسات 35 جلسة، وسط استياء متزايد من بطء المساطر وتعثر إجراءات الخبرة.
وخلال جلسات متتالية امتدت من فبراير إلى ماي 2026، اضطرت المحكمة إلى توجيه إنذارات متكررة للخبير تحت طائلة التغريم، دون أن ينعكس ذلك على تسريع وتيرة إنجاز المهمة.
وقد حددت المحكمة تاريخ 05 يونيو 2026 كموعد جديد لمواصلة النظر في القضية، في انتظار ما ستسفر عنه الخبرة الحسابية المؤجلة.
وسط كل هذه التطورات، يظل السؤال الأكثر تداولا داخل الأوساط المحلية والحقوقية … كيف يمكن لمسؤول منتخب يتابع بتهم ثقيلة تتعلق بتبديد المال العام أن يواصل تدبير شؤون جماعة ترابية بشكل عادي؟
هذا السؤال يعيد النقاش حول حدود تدخل السلطة الوصية، ومدى تفعيل الآليات القانونية والإدارية المرتبطة بتوقيف المنتخبين المتابعين في قضايا تمس نزاهة التدبير العمومي.
ويرى متابعون أن استمرار الوضع على ما هو عليه يبعث برسائل سلبية للرأي العام، خاصة في ظل الخطاب الرسمي الذي يربط التنمية المحلية بالحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة.
قضية سيدي غانم ليست مجرد نزاع قضائي عابر، بل نموذج يعكس حجم التحديات التي تواجه عددا من الجماعات القروية، حيث تتحول الموارد المحدودة إلى ضحية للصراعات وسوء التدبير، بينما تبقى التنمية مؤجلة إلى إشعار آخر.
وفي انتظار كلمة القضاء، تبقى آمال الساكنة معلقة على مرحلة جديدة تعيد الاعتبار للشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتفتح الباب أمام تنمية حقيقية تنصف جماعة ظلت لسنوات طويلة خارج أولويات التنمية المجالية.
