عاشوراء بين البذل والشكر.
تعرف عاشوراء في المغرب وفي دول المغرب العربي من خلال عنصرين أساسين وهما: إخراج العشور بالتعبير المغربي والزكاة من جهة وصيام يومي التاسع والعاشر شكرا لنجاة سيّدنا موسى عليه السلام.
إن إخراج الزكاة في شهر محرم لا علاقة له بالدورة الفلاحية لأنّ الأشهر القمرية لاعلاقة لها بالأرض كما هي الأشهر الشمسية المقسّمة إلى خريف وشتاء وربيع وصيف حيث كل فصل يعرف بحصاده. مايعني أن المجتمع المغربي والمغرب العربي الذين اختاروا شهر محرم لإخراج الزكاة إنّما كانوا يرمون إلى تقديم حقّ الله المتوفر حينها ومهما كان قليلا وبغض النظر عن نوع الزكاة المتوفر حينها في انتظار إخراج الزكاة المرتبطة بالفصل الخاص بها ودون انتظار ولا تأخير، وهذه من الفضائل الدالة على تقديم حقّ الله على الزوج والولد.
ومن ناحية ثانية فإنّ صيام يومي التاسع والعاشر من عاشوراء هو تعبير عن شكر العبد لربه على نجاة سيّدنا موسى عليه السلام، وما يجب الوقوف عليه في مثل هذه المناسبة أنّ الصوم للنجاة وليس لغرق فرعون، إن الصيام هو شكر لنجاة سيّدنا موسى عليه السلام حتّى لو لم يغرق فرعون وظلّ سالما، مثل صيام يوم الإثنين الذي ولد فيه سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لهلاك أبرهة الذي جاء لهدم بيت الله الحرام ونحن نصوم حتّى لو لم يهلك أبرهة ، فالأمة لاتصوم لهلاك غيرها إنّما تصوم للنجاة ما يدفع المرء إلى أن يساهم في نجاة من يطلب النجاة والمعونة فينال فضل مساعدة غيره ونجاته. ونترك للفقهاء التطرق لحديث صيام التاسع والعاشر من خلال الزاوية التي يرونها مناسبة.
من خلال هذا التفصيل يتعلّم المرء البذل والعطاء من جهة والشكر من جهة أخرى، فهو إذن بين نعمتين عظيمتين نعمة إخراج الزكاة ونعمة الصيام أي نعمتي البذل بما رزق من حقّ الله عليه والشكر بما أنعم الله عليه من نعمة النجاة، فيقابل الرزق بالعطاء والشكر بالصيام وهذه منزلة عظيمة جليلة.
وملاحظة ثالثة ، أن شهر محرم فرصة للنّاس لطرح أسئلتهم وقضاياهم على الأئمة والفقهاء حول مسائل الزكاة التي يعيشونها والمشاكل التي تعترضهم في توزيعها والتعامل معها فيتعلّمون دينهم وكيفية تأدية حقّ الله عليهم والطريقة المثلى لتقديمها لأصحابها في أسرع وقت وأحسن وسيلة، وهي فرصة أيضا للفقهاء والأئمة للتفرّغ لأسئلة النّاس واختيار أحسن إجابة تناسب وضع المرء وكذا المجتمع الذي تربى فيه ويتّخذها مناسبة للوقوف على أقوال وأراء الفقهاء والأئمة من مذهبه المالكي الذي تربى عليه وكذا أراء وأقوال المذاهب الإسلامية الأخرى التي يستعين بها الفقيه في فهم السؤال وتقديم الحلّ المناسب فيتعلّم المستفتي ليخرج زكاته عن علم ودراية ويزداد الفقيه معرفة بمجتمعه وتمكنا في تخصّصه.
هذه هي عاشوراء الحقة عند المغاربة المحتسبين والمتقين ولدى دول المغرب العربي وكلّها بذل ومساعدة وتعاون وشكر وعلم وفقه، وليس المبالغة في اضرام النار في قنابل ومفرقعات صينية واشعال النيران في العجلات المطاطية ورش المارة بالمياه والبيض وبعض الثوابل ، هذه عادات دخيلة وبئيسة ابتلي بها المجتمع المغربي الحديث !!! وحفظ الله المجتمعات الإسلامية جميعا التي تحتفل بيوم عاشوراء بما يناسب أيام الله من حرمة وأمن وسلم وحقن للدماء وصون لأعراض النّاس ومكانة عالية غالية لمقام سيّدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه وأسيادنا آل البيت رضوان الله عليه جميعا وأسيادنا الصحابة وأمهات المؤمنين رضوان الله عليهم جميعا.
