banner ocp

من أجمل ما قرأت  :   شيوخ التعليم…

0

من أجمل ما قرأت  :   شيوخ التعليم...

تلقى البريد الالكلتروني لنهار بريس مقالا فضل كاتبه عدم ذكر اسمه ، ولجمالية المعاني الدلالية والعبر ، خصوصا في هذا الوقت بالذات التي تعيش فيه الشغيلة التعليمية مخاضا عسيرا من اجل الكرامة والعيش اللائق بالادمي  ، ابت هيئة تحرير الجريدة الا ان تشارك قرائها بهذا المقال  . لعل مسؤولينا يتذكروا ويتعظوا ، أن من اسباب انهيار الحضارات هو إهانة المعلم امام طلابه والتشكيك فيه  : 

قبل شهور قليلة، وأنا في مدينةمراكش، التقيت مجموعة من السياح الألمان في رحلة ترفيهية إلى المغرب، رجالا ونساءا تجاوزوا السبعين من عمرهم، في كامل لياقتهم، وأناقتهم، وجمالهم طبعا… ملابس تحمل توقيعات عالمية، بعضهم يدخن، ملامحهم وسحناتهم لا توحي على أنهم يدخنون “ماركيز” أو “كازا”، بشوشون لدرجة كبيرة، يبتسمون في وجه الجميع، ما يزالون متشبتين بالحياة وجمالها، يستغلون كل لحظة جميلة، يعلمون أن الحياة تعاش لمرة واحدة..
اعتقدت لوهلة أنهم من كبار الموظفين بألمانيا، أو أنهم رجال ونساء أعمال، نظرا لهيئتهم الأنيقة “جدا”، صديقي الذي كنت جالسا معه بالبازار، بدأ في الحديث معهم بلكنة ألمانية ركيكة، سرعان ما استدرك أحدهم الأمر وسأل صديقي: هل تتحدث الانجليزية؟ أجاب بالإيجاب… ولكوني فضولي بعض الشيء، قلت في نفسي لا بأس في أن أستدرج أحدهم لمعرفة طينة هؤلاء العجزة، وسر ذلك التفاؤل العجيب والطلعة “البهية” لقوم في أرذل العمر!، فبينما كان صديقي يستعرض سلعه، رمقت أحدهم، سألته إن كان يتحدث الإنجليزية، فأجاب نعم، سألني عن ثمن سلعة معروضة، قلت له إنني فقط أجالس صديقي صاحب المحل، ولكي يطمئن قلبه، قلت له إنني مدرس وأنا بمراكش لتمضية العطلة، مد يده يصافحني قائلا: أنا أيضا كنت مدرسا..!!
تبادلنا الحديث، المجموعة التي برفقته كلهم مدرسون متقاعدون، منهم من قضى سنوات في مناطق نائية لتدريس الأطفال، أكد لي أن أول “هم” لأي مستشار ألماني هو التعليم، إنه -كما قال-الطبقة الأولى في أي مبنى سكني، لا بد من “أساس” متين، استفسرته عن سر البذخ الذي يعيش فيه المدرس الألماني المتقاعد، هو أن الدولة ملزمة برد الجميل لهم مدى الحياة، من تطبيب واستشفاء ورفاهية، إنهم هم من يصنع الدولة وهم من يعد الأطر التي ستتحمل المسؤولية لتبقى بلادهم في مصاف الدول المتقدمة..
سألني إن كانت نفس الحقوق في بلادنا، كنت سأطلب منه سيجارة (بكثرة الغدايد) ولكنني تذكرت أنني أقلعت عن التدخين، لم أرغب في أن أحكي له عن معاناة العاملين في القطاع، خشيت أن أبدأ في السرد والشكوى (الشكوى لله)، فيسقط مغشيا عليه وربما يصاب بأزمة قاتلة، وتبدأ التحقيقات من هنا ومن هناك، وقد أتسبب في توتر العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي! اكتفيت بالقول، إن المتقاعدين عندنا تخصص لهم الحكومة أماكن في كل حي للعب الضامة والروندا، في انتظار ليلة “الخرجة” الأخيرة لأقرب مقبرة، المتقاعدون عندنا لا يحملون في أيديهم آلات تصوير رقمية، إنهم يحملون أكياس الأدوية بداخلها إبر “الأنسولين” بسبب الضغط، و”رابوز” الضيقة بسبب الطباشير وجدران القاعات المشبعة بمادة “لاميونط” السامة، المتقاعدون عندنا، المكان الوحيد الذي يسافرون إليه هي تلك المدن التي بها مستشفيات كبيرة للعلاج، أو من أجل الفحص بأجهزة غير متوفرة بمدنهم أو قراهم، المتقاعدون عندنا لا يذهبون إلى البازارت، وإنما يذهبون عند “العطارة” لاستكمال وصفات طبية عجزوا عن شرائها من الصيدليات…
ألمانيا التي خربتها الحرب، استفاقت من جديد كطائر “الفينيكس”، استفاقت بفضل التعليم وبفضل رد الجميل للمعلم، يساندونه ويبجلونه لآخر رمق كما قال لي ذلك الألماني..
“يا ألمانيا..إيش ليبيديش”. ومن لا يعرف اللغة الألمانية، فمعناها: يا ألمانيا..أحبك!!
وحتى “ثرثرة” أخرى، دام لكم التقاعد الاستثنائي  والغير الاستثنائي ، ودام لابائنا الفتات ، ولنا التعاقد والمهانة ، اما الجزاء والتبجيل ، فصفر اليدين في خريف العمر وارذله .  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.