دولة المواطنة والعدالة المجالية… نزع الملكية بابن جرير بين حفظ الحقوق وترسيخ الثقة.
نزع الملكية من أجل المنفعة العامة هو إجراء قانوني مشروع عندما تقتضيه ضرورات التنمية والمصلحة العامة، غير أن هذا الإجراء يجب أن يتم في إطار من الشفافية والوضوح واحترام المساطر القانونية، مع ضمان التعويض العادل والمنصف داخل آجال معقولة، بما يحفظ كرامة المواطنين ويجنبهم الإحساس بالحيف أو التهميش.
فالمشكل لا يكمن دائما في مبدأ نزع الملكية ذاته، بل في طريقة تدبيره، وفي طول الانتظار، وغموض الإجراءات، وضعف التواصل مع المعنيين، وهو ما يخلق حالة من الاحتقان وفقدان الثقة، ويجعل المواطن يشعر وكأنه خارج دائرة الاهتمام، رغم أن الدستور المغربي لسنة 2011 أكد بوضوح على حماية الملكية الخاصة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى ضرورة تخليق المرفق العمومي وخدمة المواطن باعتباره شريكا لا مجرد متلق للقرارات.
إن المقاربة التشاركية أصبحت اليوم ضرورة وليست خيارا، خاصة في الملفات الاجتماعية والعقارية الحساسة. فإشراك المواطنين في النقاش، والاستماع إلى مطالبهم، وتقديم التوضيحات اللازمة، والبحث عن حلول توافقية، كلها عناصر تساهم في تهدئة الأوضاع وتعزيز منسوب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
كما أن العدالة المجالية تقتضي ألا يكون هناك تعامل انتقائي أو استثناءات غير مفهومة، بل يجب أن يسود مبدأ المساواة بين الجميع، وأن تطبق القوانين بنفس الصرامة والإنصاف على كل الحالات، لأن الشعور بالتمييز هو أخطر ما يهدد العلاقة بين المواطن والإدارة.
إن مدينة ابن جرير، وهي تعيش تحولات تنموية مهمة ومشاريع كبرى، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ هذا النموذج من الحكامة الجيدة، التي تجعل التنمية مقرونة بالعدالة الاجتماعية، وتجعل الاستثمار متوازنا مع حفظ الحقوق، لأن التنمية التي تبنى على الإقصاء لا تدوم، بينما التنمية التي تبنى على الإنصاف تخلق الاستقرار والانتماء الحقيقي.
إن المطلوب اليوم ليس فقط حل الملفات العالقة، بل تقديم رسالة واضحة مفادها أن الدولة تقف على نفس المسافة من جميع مواطنيها، وأن كرامة الإنسان ليست موضوع تفاوض، بل مبدأ دستوري ثابت.
وحين يشعر المواطن أن حقه محفوظ، وصوته مسموع، ومؤسسات بلده تنصفه، فإنه يتحول من متذمر إلى شريك حقيقي في بناء الوطن، وتصبح المواطنة ممارسة راسخة لا مجرد مفهوم نظري.
فحفظ كرامة المواطنين ليس مطلبا ثانويا، بل هو أساس الدولة القوية، وهو الطريق الأقصر نحو مغرب العدالة والثقة والتنمية المستدامة.
