اقليم الرحامنة : شيخ في مواجهة السلطة…” ميلود لمفنن” يبحث عن سقف يحميه من الموت !!
مشهد إنساني يقطّع نياط القلب ويضع أكثر من علامة استفهام حول معنى الرحمة والإنصاف في العالم القروي، ذلك الذي عاشه الشيخ “ميلود لمفنن ” بدوار الشديدة، بجماعة وقيادة سبت البريكيين بإقليم الرحامنة.
منذ تسعينيات القرن الماضي، اختار الرجل طريق التشرد بين المدن بحثا عن لقمة عيش تحفظ له ما تبقى من كرامته، قبل أن يعود، بعد سنوات طويلة من الترحال، إلى مسقط رأسه منهك الجسد، وقد اشتعل الرأس شيبا ، وضعفت قوته، ولم يعد له من الدنيا إلا ركن صغير يأويه.
لم يجد “ميلود” أمامه سوى بيت متواضع من القش واتربةاللوح، لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، تفتقر فيه أبسط شروط الحياة الكريمة، وتحاصره الفئران والعقارب والحشرات، حتى أصبح النوم داخله مغامرة، والبقاء فيه امتحانا يوميا للصبر والتحمل.
وأمام هذا الوضع المأساوي، لم يتخلّ عنه أبناء عمومته وبعض المحسنين، الذين مدوا له يد العون، ووفروا له ما استطاعوا من مواد البناء، أملا في تشييد غرفة صغيرة من الإسمنت المسلح، تحميه من قسوة الطبيعة وتحفظ له شيئا من آدميته.
لكن المفارقة الصادمة، وفق رواية أفراد من الساكنة، ومعاينة الجريدة ، أن هذا الأمل الصغير لم يكتمل.
فقد حلت السلطات المحلية بعين المكان، حيث جرى هدم أساسات البناء المتواضع في طور الإنجاز وإتلاف جزء من مواد البناء، بداعي عدم توفر رخصة البناء واعتبار المنشأة بناء غير مرخص.
وهنا يحق للرأي العام أن يسأل، دون أحكام مسبقة …هل كان يمكن معالجة وضعية هذا الرجل المسن والفقير بمنطق أكثر إنسانية؟ وهل كان بالإمكان تنبيهه أو توجيهه إلى المساطر القانونية وتسوية وضعيته بدل هدم أساسات مأوى بالكاد كان سيقيه من برد الشتاء وحرارة الصيف؟
القانون يجب أن يحترم ، نعم، لكن روح القانون أيضا هي حماية الإنسان وصون كرامته، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشيخ معدم لا يبحث عن فيلا ولا مشروع استثماري، وإنما عن بضعة أمتار يأوي إليها بعدما أنهكته سنوات التشرد والفقر.
والسؤال الأكبر الذي تطرحه الساكنة ….إذا كانت الرخصة هي المعيار الصارم الذي يستوجب الهدم، فهل طبقت القاعدة نفسها على جميع البنايات المحيطة والمماثلة ؟ طبعا لا ، أم أن القانون لا يكون صارما إلا عندما يتعلق الأمر ببيت فقير لا يملك صاحبه من يدافع عنه؟
أما إن ثبت أن عملية الهدم تمت دون احترام المساطر القانونية أو مع تجاوز حدود الاختصاص، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حول رخصة بناء، بل يصبح موضوعا يستحق فتح تحقيق إداري جدي ومسؤول لتحديد المسؤوليات، والتحقق من مدى احترام الإجراءات، وعدم استعمال السلطة خارج ما يسمح به القانون.
إن قصة “ميلود ” ليست قصة بناء عشوائي فقط ، إنها قصة إنسان عاد إلى قريته بعدما أكلت منه سنوات الغربة والتشرد، فوجد نفسه أمام مأوى من القش، ثم وجد حتى محاولته البسيطة لبناء سقف يحميه مهددة بالهدم.
فهل يعقل أن نطلب من الفقير أن يحترم مساطر البناء بينما لا نوفر له أولاً مسكن يحفظ كرامته؟
إن العالم القروي لا يحتاج إلى مزيد من الأبواب المغلقة، بل يحتاج إلى إدارة قريبة من المواطن، تسمع صوته، وتساعده على تسوية وضعيته، وتطبق القانون بروحه قبل نصه.
“ميلود لمفنن ” لا يريد أكثر من سقف صغير فوق رأسه… فهل يكون هذا كثيرا على رجل أفنى عمره بحثا عن لقمة العيش؟
إنصاف هذا الشيخ ليس إحسانا بل اختبار حقيقي لإنسانية الإدارة وهيبة القانون معا .
