banner ocp

المدير التقني بشباب ابن جرير لالعاب القوى ….تضافر الجهود… منطلق مواجهة الهدر الرياضي: بين البحث العلمي والتطبيق الميداني

0

المدير التقني بشباب ابن جرير لالعاب القوى ….تضافر الجهود… منطلق مواجهة الهدر الرياضي: بين البحث العلمي والتطبيق الميداني .

 

بقلم: عبدالله لقطيب:

إجازة في علم الاجتماع – عدّاء وطني سابق – مدرب ومؤطر رياضي بالجمعية الرياضية لشباب ابن جرير لألعاب القوى

منذ سنوات، أصبح الهدر الرياضي من بين القضايا التي تستحق اهتماماً خاصاً داخل المنظومة الرياضية الوطنية، لما يمثله من نزيف حقيقي في طاقات ومواهب كان يمكن أن تغيّر خريطة ألعاب القوى بالمغرب. غير أن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تتم بشكل فردي أو منعزل، بل عبر تضافر الجهود بين المكتب المسير والأطر التقنية، وهو ما شكّل بالنسبة لي نقطة البداية في تجربة شخصية ومهنية جمعت بين البحث العلمي والممارسة الميدانية اليومية.

البحث العلمي… خطوة أولى لفهم عمق الظاهرة

أثناء إنجاز بحثي الجامعي حول الهدر الرياضي في ألعاب القوى بابن جرير، توصلت إلى أن الظاهرة ليست نتيجة خطأ تقني أو نقص في التدريب فقط، بل هي نتاج شبكة معقدة من العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، النفسية، والمؤسساتية.

وقد أبرزت المعطيات الميدانية حينها والاعتماد نظرية ميشيل كروزيه قد شكلت في التحليل الاستراتيجي إحدى الأدوات النظرية التي دعمت بشكل كبير فهمي للواقع الميداني داخل ألعاب القوى. فهذه المقاربة السوسيولوجية تعتبر المنظمة فضاءً تحكمه علاقات قوة وهامش حرية ورهانات فردية وجماعية، حيث يسعى كل فاعل—سواء كان مدرباً، عدّاءً، مكتباً مسيراً، أو مؤسسة داعمة—إلى استعمال استراتيجيات معينة للحفاظ على موقعه أو تحسينه داخل النظام الرياضي.

ومن خلال هذه النظرة، استطعت فهم الكثير من السلوكات التي تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تخفي وراءها تفاعلات معقدة مثل:

غياب المواكبة الاجتماعية والنفسية يدفع العديد من العدّائين إلى الانقطاع.

ضعف الإمكانات المالية يشكل عائقاً أمام الاستمرارية، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود.

وجود فوارق طبقية داخل الفضاء الرياضي يؤثر على مسار العدّاء وعلى إحساسه بالانتماء.

محدودية التنسيق بين المدربين، المسيرين، والأسر تجعل العدّاء يتحمل وحده ضغط المسار الرياضي.

هذه النتائج لم تكن مجرد خلاصات أكاديمية، بل أصبحت بالنسبة لي بوصلة مهنية توجّه رؤيتي لعملي داخل المضمار.

من مقاعد الجامعة إلى أرضية الحلبة

عند دخولي إلى عالم التدريب الميداني، أدركت سريعاً أن كل ما توصلت إليه في البحث يتجسد أمامي من جديد، لكن هذه المرة بشكل أكثر وضوحاً وعمقاً.

فكل عدّاء كان يحمل معه قصة اجتماعية خاصة، وكل انقطاع كان يخفي وراءه ظروفاً لا تظهر للمدربين ما لم ينصتوا جيداً.

وهنا تحوّلت وظيفتي من مدرب تقني إلى مدرب اجتماعي–نفسي، أعمل على:

الإنصات لحاجيات العدّائين،

فهم ظروفهم الأسرية والمهنية،

مساعدتهم على التوازن بين المدرسة والتدريب،

تقديم دعم يقيهم من السقوط في شبح الانسحاب،

إشراك الأسر في المسار الرياضي،

وبناء علاقة تواصل دائمة مع المكتب المسير.

لقد أصبح التدريب اليوم بالنسبة لي ممارسة تعتمد على المعرفة كما تعتمد على التقنية.

التضافر… سر نجاح التجربة

الاشتغال داخل الجمعية الرياضية لشباب ابن جرير أثبت أن أي تقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود إدارة واعية، مكتب مسير متفهم، وأطر تقنية تعمل بروح الفريق.

إن تضافر الجهود بين هذه المكونات هو ما جعل التجربة تنجح، لأن التدريب ليس مسؤولية المدرب وحده، كما أن تدبير النادي ليس مسؤولية المكتب وحده.

فالعدّاء يحتاج إلى:

مدرب يفهمه،

مكتب يوفر له الشروط،

وأجواء تحترم مساره وتؤمن بقدراته.

هنا فقط يمكن تقليص الهدر الرياضي وإنتاج جيل قادر على الاستمرار في المنافسة.

الميدان يؤكد قوة العلم

تطبيق نتائج البحث في الواقع جعلني ألاحظ تحسناً واضحاً في:

انضباط العدّائين،

قدرتهم على الالتزام،

ثقتهم بأنفسهم وببرامجهم،

تراجع حالات الانقطاع،

وارتفاع مستوى الأداء.

لقد تحوّل الميدان إلى مختبر يختبر كل فكرة، وكل فرضية، وكل مقاربة أكاديمية.

نحو رؤية جديدة لألعاب القوى:

إن تجربتي بين البحث العلمي والممارسة الميدانية جعلتني أؤمن بأن تطوير ألعاب القوى يبدأ من:

1. مقاربة سوسيولوجية تفهم الواقع،

2. مقاربة تقنية تدرب العدّاء بذكاء،

3. ومقاربة تشاركية تقوم على تضافر الجهود.

إن الهدر الرياضي ليس قدراً، بل نتيجة عوامل يمكن معالجتها عندما يجتمع العلم، والإرادة، والعمل الميداني، في مشروع واحد يضع مصلحة العدّاء فوق كل اعتبار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.