ابن جرير : أكوام أزبال عيد الأضحى… أزمة سلوك قبل أن تكون أزمة تدبير.
مع كل مناسبة عيد أضحى، تتحول العديد من شوارع وأحياء مدينة ابن جرير إلى نقط سوداء تغرق في أكوام الأزبال ومخلفات العيد، في مشهد يتكرر كل سنة ويطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام المواطن للفضاء العام، وحول مفهوم النظافة باعتبارها سلوكا حضاريا وأخلاقيا قبل أن تكون مجرد خدمة جماعية.
صحيح أن المجالس الجماعية تتحمل جزءا من المسؤولية في تدبير قطاع النظافة، وصحيح أيضا أن عمال النظافة يبذلون مجهودات كبيرة خلال هذه المناسبة الاستثنائية، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المواطن نفسه يتحمل قسطا كبيرا من هذه الفوضى البيئية التي تسيء إلى صورة المدينة وساكنتها.
فالمواطن الذي يجتهد طوال أيام في اقتناء أضحية العيد، وشراء الفحم والتوابل والملابس وكل مستلزمات المناسبة، يعجز أحيانا عن القيام بأبسط سلوك حضاري، وهو وضع الأزبال داخل أكياس بلاستيكية ورميها في الأماكن المخصصة لها. بل إن الغريب في الأمر أن المجلس الجماعي لمدينة ابن جرير، على غرار سنوات سابقة، يوفر ويوزع أكياسا بلاستيكية خاصة بجمع مخلفات العيد، غير أن بعض ضعاف النفوس يحتفظون بهذه الأكياس لأغراض أخرى، ويختارون رمي النفايات بشكل عشوائي فوق الأرصفة وقارعة الطريق.
والمصيبة الأكبر أن الحاويات تكون أحيانا أمام أعين المواطنين، ومع ذلك يصر البعض على إلقاء الأزبال بجانبها بدل وضعها داخلها، وكأن الأمر يتعلق بسلوك متعمد يعكس غياب الوعي الجماعي وضعف التربية البيئية داخل المجتمع.
إن النظافة ليست مسؤولية عامل النظافة وحده، ولا المجلس الجماعي فقط، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من البيت والأسرة والمدرسة والشارع. فالدول التي تحترم بيئتها لم تصل إلى ذلك فقط عبر القوانين والزجر، بل عبر ترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام في نفوس المواطنين منذ الصغر.
ومن المؤسف أن بعض المواطنين يطالبون بمدينة نظيفة وشوارع منظمة، لكنهم في المقابل يساهمون بشكل مباشر في تلويثها وتشويهها. فلا يمكن الحديث عن التنمية أو عن مدينة ذكية وحديثة، في وقت ما تزال فيه بعض السلوكات البدائية تسيء للمشهد العام وتعرقل مجهودات العمال والجماعات المحلية.
إن عيد الأضحى مناسبة دينية عظيمة تحمل معاني التضامن والتكافل والنظافة والطهارة، وليس مناسبة لتحويل الأزقة والشوارع إلى مطرح عشوائي للنفايات. لذلك أصبح من الضروري القيام بحملات تحسيسية قوية، وتشديد المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب نشر ثقافة المواطنة الحقيقية التي تجعل المواطن شريكا في النظافة لا سببا في انتشار الأزبال. فلنرتق بسلوكنا، ولنجعل من نظافة مدننا عنوانا لتحضرنا، لأن المدينة النظيفة تبدأ من المواطن الواعي قبل أي مؤسسة أخرى.
النظافة تبدأ من المواطن قبل الجماعة .
