banner ocp

حي الزاوية بابن جرير… حين كان العيد فرحة جماعية وذاكرة لا تموت !!

0

حي الزاوية بابن جرير… حين كان العيد فرحة جماعية وذاكرة لا تموت !!

هناك أحياء لا تختزل فقط في الأزقة والدروب والمنازل الطينية القديمة، بل تتحول مع مرور الزمن إلى ذاكرة جماعية تسكن الوجدان، وتحمل في تفاصيلها البسيطة أجمل صور التعايش والمحبة والدفء الإنساني. ومن بين هذه الأحياء العريقة بمدينة ابن جرير، يظل حي الزاوية واحدا من الأحياء التي صنعت تاريخ المدينة الاجتماعي والإنساني، وظل شاهدا على زمن جميل كانت فيه الأعياد تحمل معنى حقيقيا للفرح والتضامن وصلة الرحم.

ومع اقتراب عيد الأضحى، كانت ملامح البهجة ترتسم على وجوه الصغار والكبار قبل أيام من المناسبة. الجميع يستعد بطريقته الخاصة، والحي يتحول إلى خلية نحل لا تهدأ. كانت رائحة الشواء تعبق في الأزقة، والأبواب تظل مفتوحة في وجه الجيران والأقارب، أما الأطفال فكان لهم عالم آخر مليء بالبراءة والفرح والابتكار الشعبي البسيط.

ومن أجمل الطقوس التي ظلت راسخة في ذاكرة أبناء حي الزاوية، احتفالية * السبع بولبطاين * أو ما يعرف في مناطق أخرى بـ* بوجلود* أو * بيلماون* ، ذلك الكرنفال الشعبي العفوي الذي كان يمنح للعيد نكهة خاصة لا تشبه أي شيء آخر. بعد الانتهاء من الذبح وتناول الشواء، كنا نحن الأطفال نجتمع مساء حاملين بطانات الأكياس والجلود، ونبحث عن أقوى شاب بيننا ليرتدي تلك الجلود الثقيلة، وسط ضحكات الأطفال وتشجيعات الكبار.

كان * السبع بولبطاين* كما يحلو لساكنة ابن جرير ان يسموه ،  يجوب أزقة حي الزاوية بكل عفوية وبراءة، فتتعالى الزغاريد والضحكات، ويخرج أهل المنازل لاستقبالنا، فمنهم من يمنحنا بعض النقود، ومنهم من يقدم قطع اللحم أو الحلويات، والجميع يشارك في الفرحة بروح جماعية قل نظيرها اليوم. لم تكن الغاية مادية بقدر ما كانت فرصة لترسيخ قيم المشاركة والتعاون والتقاسم بين أبناء الحي الواحد.

وكانت هذه الجولة تستمر أربعة أو خمسة أيام، قبل أن نجتمع جميعا لنقيم “وليمة جماعية” يشارك فيها كل الأطفال والشباب الذين ساهموا في هذا الكرنفال الشعبي البسيط، لكنها كانت وليمة بطعم المحبة والصدق والنية الطيبة. يومها لم يكن أحد يشعر بالغربة داخل الحي، فالجميع أهل، والجميع إخوة تجمعهم “اللمة”  و”العشرة” وحرارة الجوار الصادق.

حي الزاوية لم يكن مجرد حي قديم بمدينة ابن جرير، بل كان مدرسة حقيقية في التضامن الاجتماعي. ففي أيام العيد خصوصا، كانت الأطباق تتنقل بين البيوت بشكل تلقائي، وترى مختلف أنواع المأكولات مجتمعة في بيت واحد، خاصة في المنازل التي عرف أهلها بالكرم والجود وحسن الضيافة. كانت الجارات يتقاسمن تفاصيل الطبخ والفرح، وكان الأطفال يلعبون دون خوف، فيما الرجال يجتمعون في حلقات للسمر وتبادل الأخبار والدعاء بالخير للجميع.

لكن الزمن تغير كثيرا، واختفت أشياء كثيرة كانت تمنح للحياة معناها الحقيقي. رحل أغلب أبناء وبنات حي الزاوية، وتفرقت العائلات، وغابت تلك الطقوس الجميلة التي كانت توحد القلوب قبل الأجساد. اليوم لم تعد “اللمة” كما كانت، ولم تعد الأعياد تحمل نفس الروح، بعدما طغت الماديات وسرعة الحياة على العلاقات الإنسانية البسيطة والدافئة.

ورغم كل هذا التحول، تبقى الذكريات الجميلة عصية على النسيان. تبقى صور * السبع بولبطاين * وهو يجوب الأزقة، وضحكات الأطفال، وروائح الشواء، والأطباق المتبادلة بين الجيران، تفاصيل محفورة في الذاكرة الجماعية لأبناء حي الزاوية، يستحضرونها اليوم بحنين كبير إلى زمن كانت فيه القلوب أكثر صفاء والمحبة أكثر صدقا.

فما أحوجنا اليوم إلى استعادة تلك الروح الجميلة، روح التضامن والتآخي واللمة الطيبة، وما أحوج أبناء هذا الجيل إلى معرفة أن العيد لم يكن فقط مناسبة للأكل واللباس، بل كان مدرسة في المحبة والتعاون وصناعة الفرح الجماعي.

رحم الله ذلك الزمن الجميل، ورحم كل من صنعوا بأخلاقهم وطيبتهم مجد حي الزاوية العريق بمدينة ابن جرير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.