افتتاحية : أسود الأطلس بين الإعجاب والغيرة الرياضية… لماذا تثير نجاحات المغرب كل هذا الجدل؟
أثارت بعض نتائج التصويتات الرياضية على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الجدل، بعدما أظهرت توقعات نسبة مهمة من جماهير بعض الدول العربية خسارة المنتخب المغربي أمام منتخبات عالمية كبرى. وقد اعتبر كثير من المغاربة هذه الأرقام مؤشرا على وجود مواقف سلبية أو ما يشبه “الحقد الرياضي” تجاه أسود الأطلس، خاصة بعد الإنجازات التاريخية التي حققها المنتخب المغربي في السنوات الأخيرة.
غير أن قراءة هذه الظاهرة تستوجب قدرا من الموضوعية والابتعاد عن الأحكام الجاهزة. فالمنافسة الرياضية بطبيعتها تخلق حالة من الانحياز العاطفي لدى الجماهير، وتجعل كل شعب يميل إلى تشجيع المنتخب الذي ينسجم مع ميوله الرياضية أو الثقافية أو حتى التاريخية.
لقد أصبح المنتخب المغربي خلال العقد الأخير قوة كروية صاعدة قاريا وعالميا، وبلغ ذروة تألقه خلال نهائيات كأس العالم بقطر، حيث نجح في تحقيق إنجاز غير مسبوق عربيا وإفريقيا. هذا الصعود السريع خلق إعجابا واسعا لدى ملايين المشجعين حول العالم، لكنه في المقابل أثار لدى البعض مشاعر المنافسة والغيرة الرياضية، وهي مشاعر معروفة في مختلف الرياضات العالمية.
كما أن شبكات التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم هذه الظاهرة، حيث أصبحت بعض الصفحات والحسابات تبحث عن الإثارة وجلب التفاعلات من خلال تأجيج الخلافات بين الجماهير العربية، ونشر استطلاعات واستفزازات متبادلة تزيد من حدة الاحتقان الافتراضي، رغم أن الواقع غالبا ما يكون أقل توترا مما يبدو على الشاشات.
ولا يمكن إغفال أن العلاقات الرياضية بين المنتخبات العربية مرت بمحطات من التنافس القوي، خصوصا في البطولات القارية والتصفيات المؤهلة للمسابقات الدولية، وهو ما يجعل بعض الجماهير تنظر إلى نجاحات المنتخبات المنافسة من زاوية المقارنة والمنافسة أكثر من زاوية التضامن.
في المقابل، أثبتت تجارب عديدة أن المنتخب المغربي يحظى أيضا بدعم واسع من جماهير عربية كثيرة، خاصة عندما يمثل القارة الإفريقية أو العالم العربي في المحافل الدولية. وقد شاهد العالم خلال مونديال قطر صورا ومواقف عديدة لجماهير عربية ساندت أسود الأطلس واعتبرت إنجازهم إنجازا عربيا وإفريقيا مشتركا.
لذلك فإن اختزال مواقف ملايين العرب في كلمة “حقد” قد يكون حكما متسرعا. فبين المنافسة الرياضية المشروعة، والتأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي، والرغبة في إثارة الجدل لتحقيق المشاهدات، تختلط الحقائق بالانطباعات وتصبح الصورة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه.
ويبقى الأهم أن يستمر المنتخب المغربي في تحقيق الإنجازات داخل الملعب، لأن لغة الأرقام والألقاب والنتائج هي الرد الأقوى على كل المشككين، وهي الكفيلة بتحويل الاحترام إلى إجماع، مهما اختلفت التوقعات والانتماءات.
