التمكين الاقتصادي والريادة.. مركز التكوين ابن جرير يرسّخ الاستثمار في الكفاءات ويفتح آفاق الإدماج
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، لم يعد التكوين المهني مجرد فضاء لاكتساب حرفة أو تعلم مهارة تقنية، بل أصبح رافعة أساسية لتحقيق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز الاستقلالية المهنية، وفتح المجال أمام المبادرة والريادة. ومن هذا المنطلق، يندرج مشروع مركز التكوين ابن جرير – مركز الكفاءات المهنية ضمن رؤية تنموية تضع الاستثمار في الإنسان وتأهيل الكفاءات في صلب الأولويات.
ويأتي هذا المشروع في إطار شراكة بين وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة وجمعية أحضان للتنمية والتضامن بابن جرير، المشرفة على تسيير وتدبير مركز التكوين ابن جرير، في إطار تعاون مؤسساتي يجمع كذلك مديرية التعاون الوطني بالرحامنة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بما يعكس أهمية توحيد الجهود لخدمة أهداف التمكين والإدماج ودعم الفئات المستفيدة.
وقد شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أحد المكونات الأساسية في إنجاز هذا المشروع، من خلال مساهمتها في بناء وتجهيز مركز التكوين ابن جرير، بما وفر بنية ملائمة لاحتضان برامج التكوين والتأهيل، وجعل من المركز فضاءً مجهزاً لاستقبال المستفيدين وتطوير مهاراتهم في ظروف مناسبة.
ولا تنحصر أهمية المشروع في الجانب المرتبط بالبنية والتجهيز، وإنما تتجسد قيمته الأساسية في ما يمكن أن يقدمه من فرص لتطوير الكفاءات وتحويل المهارات إلى إمكانات حقيقية للاندماج الاقتصادي. فالتكوين، وفق هذه الرؤية، يشكل حلقة ضمن مسار أوسع يبدأ بالتأهيل وينفتح على التشغيل والمبادرة الذاتية والريادة.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع التمكين الاقتصادي والريادة للنساء في وضعية هشاشة كأحد الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المهمة لهذه الدينامية، من خلال إتاحة فرص التكوين والتأهيل أمام النساء المستفيدات، ومساعدتهن على اكتساب مهارات مهنية يمكن أن تشكل مدخلاً نحو تعزيز استقلاليتهن الاقتصادية والاجتماعية.
ويقوم هذا التوجه على فكرة أساسية مفادها أن التمكين الحقيقي لا يتحقق فقط من خلال توفير الدعم، وإنما عبر منح المستفيد القدرة على امتلاك المهارة والمعرفة والوسائل التي تساعده على بناء مسار مستقل. ومن هنا يصبح التكوين أداة للانتقال من وضعية الهشاشة إلى وضعية أكثر قدرة على المبادرة والإنتاج والمشاركة الاقتصادية.
ويكتسي هذا البعد أهمية خاصة بالنسبة للنساء في وضعية هشاشة، باعتبار أن التأهيل المهني يمكن أن يشكل وسيلة لتعزيز الثقة في الذات، وتطوير القدرات، وفتح آفاق جديدة أمام الاستقلالية الاقتصادية، سواء عبر الاندماج في سوق الشغل أو من خلال المبادرة إلى خلق أنشطة مهنية ومشاريع مدرة للدخل.
ولا يقوم هذا التصور على الفصل بين التكوين والريادة، بل على الربط بينهما؛ فالمهارة المهنية يمكن أن تكون نقطة البداية، بينما تمثل المبادرة والقدرة على تحويل هذه المهارة إلى نشاط اقتصادي إحدى الغايات التي يمكن أن يسعى إليها المستفيدون بعد استكمال تكوينهم.
ويقدم المركز في هذا الإطار مجموعة من المسارات التكوينية التي تتيح اكتساب مهارات عملية وتطبيقية في مجالات متعددة، من بينها الطبخ، الحلويات، حلاقة الرجال، حلاقة النساء، الإعلاميات، والفصالة والخياطة. وتوفر هذه المجالات قاعدة مهنية يمكن تطويرها من خلال الممارسة والخبرة، كما تفتح، بحسب طبيعة كل تخصص، إمكانات متعددة أمام الاندماج المهني أو المبادرة الفردية.
ويعتمد التكوين على الجانب التطبيقي والتأطير من طرف مؤطرين متخصصين، بما يساعد المستفيدين على الانتقال من المعرفة النظرية إلى الممارسة واكتساب الكفاءات الضرورية لمزاولة المهنة. وهي مقاربة تجعل من المهارة محوراً أساسياً في عملية التأهيل، وتربط التكوين بالواقع المهني ومتطلباته.
ومن جهة أخرى، يكتسب المسار التكويني بعداً مؤسساتياً من خلال مؤسسة التعاون الوطني، التي تمنح الدبلومات للخريجين بعد استكمال مسارهم التكويني، بما يساهم في تثمين الكفاءات المكتسبة وتتويج الجهود التي يبذلها المستفيدون خلال فترة التكوين.
ويكشف هذا النموذج عن تكامل واضح في أدوار المتدخلين؛ فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ساهمت في بناء وتجهيز المركز، ومديرية التعاون الوطني بالرحامنة حاضرة ضمن الإطار المؤسساتي للشراكة، فيما تتولى جمعية أحضان للتنمية والتضامن بابن جرير الإشراف على تسيير وتدبير المركز، في إطار الشراكة مع وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بينما تتولى مؤسسة التعاون الوطني منح الدبلومات للخريجين.
ويمنح هذا التكامل للمشروع بعداً تنموياً يتجاوز حدود التكوين التقليدي، لأنه يجمع بين الاستثمار في البنية، وتأهيل الإنسان، وتثمين الكفاءة، ودعم التمكين الاقتصادي والريادة.
ومع انطلاق الموسم التكويني 2026–2027، يواصل المركز مساره في توفير فضاء للتكوين والتأهيل، في وقت أصبحت فيه المهارات المهنية والمبادرة الذاتية من الأدوات المهمة لمواجهة تحديات سوق الشغل وتعزيز فرص الإدماج الاقتصادي.
إن الرهان الحقيقي لمثل هذه المشاريع لا يكمن فقط في عدد المستفيدين من التكوين، وإنما في الأثر الذي يمكن أن تتركه المهارات المكتسبة في حياتهم المهنية والاجتماعية. فكل مهارة يتم اكتسابها يمكن أن تتحول إلى فرصة، وكل فرصة يمكن أن تكون بداية لمسار جديد نحو الاستقلالية والاندماج.
ومن هنا، يكتسب مركز التكوين ابن جرير – مركز الكفاءات المهنية دلالته باعتباره أكثر من مجرد فضاء للتكوين؛ فهو مشروع يقوم على الاستثمار في الطاقات البشرية، ويمنح التمكين الاقتصادي والريادة مكانة أساسية ضمن مسار التنمية المحلية.
وبين بناء وتجهيز المركز، وتوفير التكوين والتأطير، واستهداف النساء في وضعية هشاشة، وتثمين مسارات الخريجين بالدبلومات، تتشكل منظومة متكاملة تجعل من التكوين وسيلة لبناء القدرات، ومن المهارة مدخلاً إلى الاستقلالية، ومن المبادرة طريقاً نحو الريادة.
وفي نهاية المطاف، فإن الاستثمار في الإنسان يظل من أكثر
الاستثمارات استدامة؛ لأن بناء الكفاءة لا يمنح المستفيد فرصة آنية فقط، بل يمكن أن يفتح أمامه آفاقاً متعددة لصناعة مستقبله بنفسه.
مركز التكوين ابن جرير.. نرافق الطموح نحو التمكين والإدماج والريادة، ونؤمن بأن مهارة اليوم يمكن أن تكون فرصة الغد.

