حين يستفحل الفساد داخل مؤسسة عمومية وتصبح تحت رحمة متسلقين رمت بهم الصدفة البحثة لمزاولة مهنة شريفة، فيتحكم فيهم الشيطان الذي بدواخلهم ويتحولون إلى أناس لا يفكرون إلا في نهب المال العام وتطبيق قوانين شرعوها حسب أهوائهم لتحقيق مآربهم الخاصة تحت شعار الأولوية للعائلة وللقبيلة وللمعارف ولمن يحني الرأس ويدفع الثمن، فإن الأمور لا يمكن إلا أن تؤول للخراب. هذا هو حال كلية الآداب بالرباط. بعدما كانت فضاء يشع بالفكر والفلسفة وبعدما كانت فضاء لعباقرة مثل الجابري والعروي وكيليطو وأفاية وبنكراد وغيرهم من خيرة الأساتذة الأدباء والمفكرين، حولتها عصابة الجهل إلى فضاء يشبه عالم النفايات، مليء بكل مظاهر الفساد، لا نزاهة ولا شفافية ولا قانون يحكم في أرجاء هذه الكلية غير قانون الغاب والتملك والتفرد المقيت في أخذ القرارات، وذلك في غياب غريب ومثير للدهشة لثقافة المساءلة والمحاسبة. ضاقت الأنفس بفرط ما تعيش فيه هذه المؤسسة من عجائب لا تنذر إلا بالخراب، وذلك بعد أن كانت فيما مضى من سنوات عزها وإشراقها مثالا يحتدى به. فبعد محاربة الأصوات الداعية لمكافحة الفساد، وبعد استحواذ الانتهازيين على نفوذ وهمي، أصبحت نرجسيتهم تشرع وتطبق كما شاءت قوانين ماسمعت بها أذن من قبل لكونهم تفننوا في اختراعها وتنزيلها لتضرب بعرض الحائط كل القوانين المنظمة. والحقيقة أن السكوت والصمت المطبقان حول ما يجري في كلية الآداب بالرباط لا يبشران بالخير. فهل هناك قوى خفية وراء هذا السرطان الذي أتى على الأخضر واليابس؟؟؟ أ لا تعلم الجامعة ومفتشية التعليم العالي والوزارة ما يقع في مؤسسة لا يعزلها عن القصر الملكي العامر إلا جدار؟؟؟ سنستفيق يوما ونجد أن هذه المؤسسة قد أصبحت ملكية خاصة لزوجين استغلا ما استغلاه من علاقات ليعيثا في أرجائها فسادا. ولن يبقى لمعشر الأساتذة إلا الرضى قهرا بمزاولة مهامهم في ظروف كارثية بجميع المعاني. لن يبقى لهم سوى صوت الهمس للريح كما فعل أستاذنا الجليل حين كتب متدمرا ما يلي وحال لسانه يقول أما حان للوضع أن يتغير:
واقع الجامعة المغربية حاليا بعيون الأستاذ سعيد بنكراد
“ما تغير حقا هو أن الجامعة أصبحت إعدادية، والمقرر يحشوه الأساتذة بمواد قديمة منتهية الصلاحية”.
بهذه العبارة الأليمة يبدأ سعيد بنكراد تعليقه على أوضاع الجامعة المغربية التي خبر دواليبها عن قرب وعمل بها لعقود. ويستطرد قائلا: “انهارت مؤسسة الشعبة، وانهارت أعرافها، واختفى ما كان يسمى الحرم الجامعي، وسيتحول الكثير من مسؤولي الشعب إلى موظفين طيِّعين عند العميد”. أمام هذه الوضعية البئيسة قرَّرَ الأستاذ سعيد بنكراد التخلي كليا عن أي عمل نقابي أو سياسي وتوقف عن المشاركة في أي نشاط ثقافي، عدا تقديم الدروس التي واصل إلقاءها على الطلبة.
أما عن ملفات التأهيل الجامعي، فقد توقف مليا عندها، ومما قاله في شأنها: “القيام بمهام السانديك في العمارة، والعلاقة مع المقاطعة أو قائدها، أو الانتماء لجمعية رياضية أو بيئية وهمية… الترقية بالأقدمية وبملفات شكلية تمر في أجواء فلكلورية مضحكة … قليل من له ملف علمي حقيقي…ملفات مغشوشة ..عضوية في مجلس الكلية أو مجلس الجامعة أو الانتماء إلى النقابة”. لاحظوا أن المعايير أصبحت مقيتة ومخجلة، وكل مرة نسمع أخبارا عن مناقشات وهمية لما يسمى زورا ملفات التأهيل، بينما “الأستاذية -في نظر بنكراد- استحقاق علمي يتطلب ملفا علميا حقيقيا لا مقالات منشورة في الجرائد اليومية كما يحدث عندنا”.
أما عن التسيب بالجامعة، فقد وصل الأمر إلى حد “أن الأستاذ يمكنه أن يقول أي شيء خارج أي ضابط علمي أو تربوي، ولا يُسأل على البحث العلمي، بل عن تقديم الدروس …قلة قليلة ما زالت تبحث وتجتهد وتؤلف بعيدا عن أعين الجامعة وفي غيابها.” ويعتبر هؤلاء الأساتذة المجتهدون حاليا بلسان بنكراد: “خطرا على الجامعة، وتم تهميشهم ولم يسمح لهم بالاستمرار في مواصلة رسالتهم في التدريس والإسهام في تقديم تكوين محترم للطلبة، وهي الصيغة نفسها التي استعملت في السبعينيات مع أسماء كبيرة في الجامعة (يقصد هنا العروي تحديدا)، وفي السنوات التي كانت السلطة لا تقبل سوى بنفسها، فقد تم إلحاقهم بمؤسسات لا قيمة لها في النسيج الجامعي المغربي”. أما الترقي فقد أصبح في نظر بنكراد “رديفا للكسل والخمول. فلم تعد الجامعة تستفيد من أساتذتها ومن إسهاماتهم في الإشعاع المعرفي للوطن إلا في حالات قليلة”.
أما عن ملف الترقية الشائك، فيقول سعيد بنكراد المتخصص في السيميائيات: “قامت كل الأطراف المشاركة في العملية التربوية بما فيها النقابة بإفراغه (أي ملف الترقية) من مضمونه وتحويله الى مجرد لعبة يقوم من خلالها الأساتذة بالبحث عن النقط. أصبحت العضوية في مجلس الجامعة أهم بكثير مِن تأليف كتاب أو نشر مقالة. فما يمكن أن يجمعه الأستاذ من نقاط من هذه العضويات أكبر بكثير من الكتابة أو تهراس الراس في التدريس والتفاني فيه، وقد اشتهر بعض الأساتذة بقدرتهم الكبيرة على صناعة ملفات لا يأتيها الباطل من كل الجهات”. لاحظ سعيد بنكراد خلال سنوات تدريسه أن الكلية “أصبحت مسرحاً لصراعات هامشية بلا أفق ولا غاية، سياسية أو علمية، وفقد الكثيرون البوصلة واختلط اليسار باليمين وتحالف الانتهازيون والوصوليون والذين لا مبدأ لهم ضد كل عمل مسؤول في الكلية، وستظهر دعوات غريبة، كانت إلى فترة قريبة غير قابلة للتصديق في الفضاء الجامعي. فقد أصبح بعض الأساتذة يدعون صراحة وجهاراً إلى تشجيع «السلبيين»، أي الذين لا مبدأ لهم، لقطع الطريق على الذين ظلوا يناضلون لسنوات طويلة من أجل تغيير فعلي للشرط التربوي والمعرفي، وضاعت الكثير من الحقائق، ولم يعد بالإمكان أن يجد المرء مكاناً له وسط ضجيج دون معنى”.
أما عن اللجان الشكلية أو ما أسميناها اللجان على المقاس التي تشارك في الانتقاء والاختيار فيقول عنها بنكراد: “وقد نتج عن ذلك ميل إلى انتخاب لجن “علمية” “تشترط” في أعضائها، في الكثير من الحالات، ألا يكونوا من حملة القلم أو من الباحثين”.
كل هذه المقتطفات مأخوذة من كتاب سعيد بنكراد أستاذ السيميائيات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط وقبلها بمكناس، والذي صدر مؤخرا تحت عنوان: وتحملني حيرتي وظنوني: سيرة التكوين. ( نجاة خالدي )
