السياسة بين طموح الشباب وانحراف الممارسة: من التمثيل إلى الاغتناء !!
تعد السياسة في جوهرها فعلا نبيلا، يقوم على خدمة الصالح العام وتمثيل تطلعات المواطنين والدفاع عن حقوقهم. غير أن الواقع في كثير من السياقات، ومنها مجتمعاتنا، يكشف عن انزياح خطير في هذا المفهوم، حيث تحولت السياسة عند البعض من رسالة إلى وسيلة للاغتناء غير المشروع، ومن فضاء للتنافس الشريف إلى مجال تداس فيه القيم والأخلاق.
إن دخول الشباب إلى العمل السياسي يظل أمرا ضروريا وحتميا، لما يحمله من طاقات متجددة وأفكار مبتكرة قادرة على ضخ دماء جديدة في شرايين المؤسسات. لكن هذا الولوج يجب أن يتم عبر مسارات نظيفة قائمة على الكفاءة والاستحقاق، لا عبر “الأبواب الخلفية” التي تفتح بالمال الفاسد أو الولاءات الضيقة. فالشباب الذي يدخل السياسة محملا بقيم النزاهة والالتزام، هو وحده القادر على إعادة الاعتبار للعمل السياسي.
في المقابل، نشهد صعود فئة من “الانتهازيين السياسيين” الذين لا يرون في السياسة سوى فرصة للثراء السريع. يدخلونها “بصباطهم”، كما يقال، دون تكوين فكري أو أخلاقي، ويستندون إلى شبكات من المال المشبوه لشراء الولاءات والتأثير في نتائج الانتخابات. هؤلاء لا يمثلون الشعب، بل يستغلونه، ولا يخدمون الوطن، بل يستنزفونه. وهنا يتحقق الانفصال الخطير بين المواطن والسياسة، حيث يفقد الناس الثقة في المؤسسات وفي جدوى المشاركة.
إن هذا الواقع يعيد إلى الأذهان مقولة الرئيس الأمريكي هاري ترومان: “لا يمكن الاعتناء من السياسة إلا إذا كنت فاسداً”، وهي عبارة، وإن جاءت في سياق نقدي ساخر، فإنها تعكس إحساسا عميقا بالإحباط من ممارسات سياسية منحرفة. لكن هل ينبغي أن نستسلم لهذا التصور؟ بالتأكيد لا. فالتاريخ يثبت أن السياسة يمكن أن تكون أداة للإصلاح حين تتوفر الإرادة والرقابة والمحاسبة.
إن إصلاح الحقل السياسي يمر عبر عدة مداخل أساسية: أولها تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وثانيها تأهيل النخب السياسية عبر التكوين المستمر، وثالثها تمكين الشباب والنساء من ولوج عادل ومنصف لمواقع القرار، بعيدا عن منطق الريع والمحسوبية. كما أن دور المجتمع المدني والإعلام يظل محوريا في فضح الفساد ومساءلة المسؤولين.
في النهاية، تبقى السياسة مرآة للمجتمع: إن صلحت صلح حال الأمة، وإن فسدت انعكس ذلك على كل مناحي الحياة. لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو استعادة المعنى النبيل للسياسة، وجعلها فضاءً لخدمة المواطن لا لاستغلاله، ومسارا لبناء المستقبل لا لنهب الحاضر.

السابق بوست