عمود رأي : حين تسقط المحاسبة تحت قبة البرلمان …. من يحمي المال العام إذا تحالف الصمت مع النفوذ؟!
أثار إسقاط طلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول ملف الدعم العمومي المخصص لاستيراد الأغنام واللحوم، والذي تقدر قيمته بحوالي 2800 مليار سنتيم، موجة واسعة من الجدل والاستياء في الأوساط السياسية والحقوقية والشعبية. فقد صوتت أغلبية مجلس المستشارين، المكونة من أحزاب الأغلبية الحكومية إلى جانب ممثلي الغرف المهنية والباطرونا، ضد المقترح الذي كان يهدف إلى كشف حقيقة كيفية صرف هذه الأموال العمومية وتحديد الجهات التي استفادت منها ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة.
هذا القرار أعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتعلق بدور المؤسسات التمثيلية في مراقبة تدبير المال العام ومحاسبة المسؤولين عن أي اختلالات محتملة. فحين يتعلق الأمر بمبالغ ضخمة صرفت من خزينة الدولة تحت مبررات دعم القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استقرار أسعار اللحوم، يصبح من حق الرأي العام أن يعرف أين ذهبت هذه الأموال، ومن استفاد منها، وما هي النتائج الفعلية التي تحققت على أرض الواقع.
المفارقة التي يراها كثير من المتابعين أن المواطن المغربي لم يلمس الأثر المنتظر من هذا الدعم. فأسعار اللحوم واصلت ارتفاعها في الأسواق، والقدرة الشرائية للأسر تراجعت بشكل ملحوظ، بينما ظلت أسماء المستفيدين الكبار من الدعم محل تساؤلات ونقاشات حادة داخل المجتمع.
إن رفض تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لا يعني بالضرورة وجود تجاوزات أو فساد، لكنه في المقابل لا يساعد على تبديد الشكوك ولا يساهم في تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات. فالديمقراطيات الحديثة تقوم على مبدأ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وكلما كانت الملفات مثار جدل مجتمعي واسع، كان من الواجب فتحها أمام التحقيق المؤسساتي بدل إغلاقها سياسيا .
ويتساءل العديد من المواطنين ، كيف يمكن للمؤسسة التشريعية أن تمارس دورها الرقابي إذا كانت الأغلبية ترفض استعمال إحدى أهم الآليات الدستورية المتاحة لها؟ وكيف يمكن إقناع الرأي العام بجدية محاربة الريع والفساد إذا تم تعطيل آليات البحث والتقصي كلما تعلق الأمر بملفات حساسة أو بأسماء نافذة؟
إن الدفاع عن المال العام ليس موقفا سياسيا ظرفيا ، بل هو واجب وطني وأخلاقي يقع على عاتق جميع المؤسسات والفاعلين السياسيين دون استثناء. كما أن حماية المستهلك والمواطن البسيط لا تتحقق بالشعارات، وإنما بضمان الشفافية الكاملة في تدبير الموارد العمومية، والكشف عن الحقائق للرأي العام، وترسيخ ثقافة المساءلة.
اليوم، وبعد إسقاط لجنة تقصي الحقائق، لا يبدو أن الجدل سيتوقف، بل قد يزداد اتساعا. فكلما غابت المعلومة الرسمية الدقيقة، حضرت التأويلات والشائعات وفقد المواطن جزءا من ثقته في المؤسسات. ولذلك تبقى الشفافية الكاملة والإفصاح عن المعطيات المرتبطة بهذا الملف الطريق الأقصر لاستعادة الثقة وتأكيد أن المال العام فوق كل اعتبار، وأن لا أحد ينبغي أن يكون خارج دائرة المساءلة.
ختاما ، لا يمكن بناء دولة قوية بمؤسساتها إلا عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن أمواله مصانة، وأن كل مسؤول أو مستفيد من المال العام خاضع للمحاسبة، مهما كان موقعه أو نفوذه.
