“الرحامنة بين التهميش ونكران الكفاءات : حين يقصى الأبناء ويستورد التمثيل!!”
في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام، يطفو إلى السطح نقاش حاد حول توجه بعض الأصوات داخل حزب حزب الأصالة والمعاصرة نحو البحث عن مرشحين لتمثيل إقليم الرحامنة من خارج حدوده، وكأن هذا الإقليم العريق قد أُفرغ من كفاءاته، أو كأن أبناءه فقدوا القدرة على حمل مشعل التمثيل السياسي والدفاع عن قضاياه.
هذا الطرح، في جوهره، لا يمكن اعتباره مجرد خيار تنظيمي عابر، بل هو مؤشر على أزمة عميقة في تقدير الذات المحلية، وضرب غير مباشر لمصداقية النخب التي نشأت وترعرعت داخل هذا الإقليم. فالرحامنة، التي كانت ولا تزال خزانا بشريا وسياسيا مهما، لا يمكن اختزالها في صورة الفراغ أو العجز.
الأكثر إثارة للاستغراب، أن هذا التوجه يأتي في سياق تاريخي خاص، إذ أن حزب الأصالة والمعاصرة نفسه ارتبط في نشأته بالإقليم، وكان من بين أبرز مؤسسيه شخصيات وازنة على رأسها فؤاد عالي الهمة، الذي انطلقت دينامية الحزب من عمق هذا المجال الترابي. فكيف يعقل أن يتحول الإقليم من منبع للتأسيس إلى هامش في التمثيل؟
إن تغييب أبناء الرحامنة عن الاستحقاقات الكبرى، سواء تعلق الأمر بالانتخابات البرلمانية أو مجلس المستشارين، يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار داخل الحزب، وحول مدى احترامه لمبدأ ربط المسؤولية بالكفاءة والانتماء. فهل أصبح الانتماء الجغرافي عبئا بدل أن يكون قيمة مضافة؟ وهل أضحت الكفاءة المحلية غير مرئية في أعين صناع القرار الحزبي؟
ثم ماذا عن الأسماء التي صنعت حضورا سياسيا وتنظيميا داخل الإقليم؟ أين موقع كفاءات مثل محب التهامي، المهندس المعروف بخبرته، وعبد الفتاح كمال، السياسي الذي راكم تجربة معتبرة، وعبد الحق فائق، الشاب الطموح الذي يمثل جيلا جديدا من الفاعلين، وجمال مكماني، الأستاذ المشهود له بالخلق والكفاءة؟ أليس في إقصاء هذه الطاقات نوع من الجحود السياسي؟!
إن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن ظاهرة أوسع تعيشها بعض الأحزاب، حيث يتم تغليب منطق الولاءات والاصطفافات على حساب الكفاءة والاستحقاق. وهو ما يؤدي، في نهاية المطاف، إلى إضعاف الثقة بين المواطن والعمل السياسي، ويغذي الشعور بالتهميش والإقصاء.
الرحامنة ليست أرضا بلا رجال، ولا مجالا عقيما من الكفاءات. بل هي إقليم زاخر بطاقات قادرة على التمثيل والتدبير والمساهمة في البناء الديمقراطي. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تعترف بها، وتمنحها الفرصة بدل البحث عن بدائل جاهزة من خارج السياق المحلي.
السؤال الذي يطرح بالحاح لدى جل المتتبعين للشأن الترابي بالرحامنة : هل ستتم مراجعة هذه الاختيارات وإعادة الاعتبار لأبناء الإقليم ؟ أم أن منطق “استيراد النخب” سيستمر، ليعمق جراح التهميش ويفاقم أزمة الثقة؟ وبذلك تصبح سخرية السنين لازمة مسجلة باسم الإقليم بدون انقطاع ، لأننا امام زمن الكفاءات الضائعة !!
