المغرب في مواجهة البرازيل… هل أسقطت كرة القدم أسطورة التضامن العربي؟
مرة أخرى أثبتت كرة القدم أنها أكثر من مجرد لعبة، فهي مرآة تعكس مواقف الشعوب وتوجهات الجماهير، وتكشف أحيانا ما تخفيه الشعارات الرنانة من تناقضات. فخلال المواجهة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره البرازيلي، تفاجأ العديد من المغاربة بحجم التشجيع الذي حظي به المنتخب البرازيلي في عدد من الدول العربية، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة حول حقيقة التضامن العربي وحدوده.
فمنذ الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي في كأس العالم بقطر، اعتقد كثيرون أن أسود الأطلس أصبحوا يمثلون حلما عربيا مشتركا ، وأن النجاحات المغربية تحولت إلى مصدر فخر لكل الشعوب العربية. غير أن بعض ردود الفعل خلال مباراة البرازيل أوحت بعكس ذلك، حيث فضلت جماهير عربية الاصطفاف وراء منتخب السامبا ( الجزائر ، مصر ، ليبيا ، لبنان ،موريطانيا ) ليس لأسباب رياضية فقط، بل أحيانا بدوافع تتجاوز المستطيل الأخضر.
ولا يمكن إنكار أن للبرازيل شعبية جارفة في العالم العربي منذ عقود، بفضل تاريخها الكروي العريق وأسماء أسطورية صنعت أمجاد اللعبة. لذلك فإن تشجيع البرازيل من طرف جماهير عربية لا يعني بالضرورة موقفا ضد المغرب. غير أن ما أثار استغراب الكثيرين هو الحماس المبالغ فيه لدى البعض في انتظار تعثر المنتخب المغربي أو التقليل من إنجازاته، وهو ما فتح باب النقاش حول مفهوم الأخوة العربية عندما يتعلق الأمر بالمنافسة والنجاح.
في المقابل، برز الدعم القادم من عدد من دول الخليج بشكل واضح، سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال تفاعل الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر كثيرون أن المنتخب المغربي لا يمثل المغرب فقط، بل يمثل نموذجا عربيا وإفريقيا استطاع أن يفرض احترامه على الساحة العالمية.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن كرة القدم لا تعترف بالشعارات السياسية أو القومية بقدر ما تحركها العواطف والانتماءات الرياضية. فكما أن هناك مغاربة يشجعون أندية ومنتخبات أجنبية، فمن الطبيعي أن نجد عربا يفضلون البرازيل أو الأرجنتين أو غيرهما. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التشجيع الرياضي إلى شماتة أو عداء تجاه نجاحات الآخرين.
لقد كشفت مباراة المغرب والبرازيل أن مفهوم التضامن العربي ليس واحداً لدى الجميع، وأن العلاقات بين الشعوب أكثر تعقيدا من الشعارات التي ترفع في المناسبات. كما أكدت أن الاحترام الحقيقي لا يبنى على انتظار التصفيق من الآخرين، بل على مواصلة العمل وتحقيق الإنجازات.
وفي ذات السياق ، يبقى المنتخب المغربي أكبر من أن تقاس قيمته بعدد المشجعين في هذا البلد أو ذاك. فقد فرض أسود الأطلس مكانتهم بفضل الأداء والنتائج، وأصبحوا رقما صعبا في كرة القدم العالمية. أما الجماهير، فمن حقها أن تشجع من تشاء، لكن من حق المغاربة أيضا أن يتساءلوا ….. هل كانت بعض شعارات التضامن مجرد كلمات جميلة تختفي عند أول اختبار حقيقي؟
استفاهم يبقى مطروحا بالحاح ، والإجابة عنه لا توجد في المدرجات فقط، بل في المواقف التي تكشفها الأيام.
