banner ocp

عمود رأي :  الأحزاب والشباب… حين تتحول السياسة إلى إرث عائلي بدل أن تكون فرصة للجميع !!

0

عمود رأي :  الأحزاب والشباب… حين تتحول السياسة إلى إرث عائلي بدل أن تكون فرصة للجميع !!

لا تعاني الأحزاب السياسية اليوم فقط من عزوف الشباب عن الانخراط في العمل الحزبي، بل تواجه أزمة أعمق تتعلق بفقدان الثقة في مبدأ تكافؤ الفرص داخل مؤسساتها التنظيمية. فالكثير من الشباب لم يعد يرى في الأحزاب فضاء مفتوحا للكفاءة والاجتهاد والنضال، بقدر ما يراها مجالا تتحكم فيه الاعتبارات العائلية وشبكات النفوذ والمصالح الانتخابية المتوارثة.

لقد تغيرت نظرة الأجيال الجديدة إلى السياسة بشكل كبير. فالشاب الذي يتابع النقاشات العمومية ويؤمن بضرورة المساهمة في صناعة القرار، يصطدم في كثير من الأحيان بواقع مغاير للشعارات المرفوعة حول الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب. إذ يلاحظ أن الوجوه نفسها تتكرر، وأن فرص الصعود التنظيمي والسياسي غالبا ما تكون مرتبطة بالقرب من مراكز القرار أو بالانتماء إلى عائلات سياسية معروفة، أكثر من ارتباطها بالكفاءة أو القدرة على الإقناع والتأطير.

ومن هنا تتولد حالة من الإحباط لدى العديد من الشباب الذين يجدون أنفسهم خارج دائرة التأثير، رغم ما يمتلكونه من مؤهلات علمية وثقافية وقدرات تواصلية. فحين يشعر الشاب أن الطريق نحو المسؤولية الحزبية أو التمثيلية الانتخابية معبد مسبقا لفئة محددة، فإنه يفقد الحافز على الانخراط والمشاركة، ويختار الابتعاد أو البحث عن فضاءات أخرى للتعبير عن آرائه وطموحاته.

ولا يمكن للأحزاب أن تكتفي بترديد خطاب لوم الشباب على العزوف السياسي، لأن جزءا مهما من المسؤولية يقع على عاتقها. فإقناع الشباب بالمشاركة يقتضي أولا بناء الثقة، وهذه الثقة لا تتحقق إلا عبر ممارسات ملموسة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، وتفتح المجال أمام الطاقات الجديدة لتولي المسؤوليات دون الحاجة إلى وساطات أو امتدادات عائلية أو انتخابية.

إن مستقبل العمل الحزبي مرتبط بقدرته على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المجتمع. فالأجيال الجديدة تبحث عن فضاءات ديمقراطية حقيقية، تسمح لها بالتعبير والمبادرة والتدرج في المسؤوليات بناء على الجدارة والاستحقاق. كما أنها ترفض منطق الزعامات المغلقة والامتيازات الموروثة التي تجعل السياسة حكرا على أسماء معينة دون غيرها.

ولعل التحدي الأكبر أمام الأحزاب اليوم ليس فقط استقطاب الشباب، بل إقناعهم بأن أصواتهم وأفكارهم وجهودهم يمكن أن تصنع الفرق فعلا. فالشباب لا يطلب امتيازات خاصة، بل يطالب بفرص عادلة ومسارات واضحة تتيح له المنافسة على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على العطاء.

وعندما تنجح الأحزاب في تحويل هذه المبادئ إلى واقع ملموس، ستكتشف أن أزمة العزوف ليست قدرا محتوما، وأن الشباب ما زال يمتلك الرغبة في خدمة الشأن العام، لكنه يبحث عن أبواب مفتوحة لا عن جدران مغلقة، وعن مؤسسات تؤمن بالمستقبل لا عن هياكل تعيد إنتاج الماضي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.