افتتاحية : عيد الأضحى بين الغلاء والجشع… إلى أين يسير المغاربة في زمن “الفراقشية”؟
افتتاحية :
لم يعد عيد الأضحى عند فئات واسعة من المغاربة مناسبة دينية واجتماعية يطبعها الفرح والتآزر كما كان في السابق، بل تحول هذا العام إلى مصدر قلق وضغط نفسي واجتماعي غير مسبوق، بعدما بلغت أسعار الأضاحي مستويات وصفت بالخيالية، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطن بشكل مقلق، وتتسع فيه الهوة بين طبقة غنية تزداد ثراء وطبقة فقيرة تنتظر دعما اجتماعيا بالكاد يسد رمق العيش.
ففي الأسواق الأسبوعية ونقط بيع الأكباش، اصطدم المواطن المغربي بواقع مرير ، أسعار تجاوزت كل التوقعات، رغم الحديث الرسمي المتكرر عن دعم الفلاح، وتشجيع القطاع الفلاحي، وبرامج “المغرب الأخضر” و”الجيل الأخضر”، التي كان من المفروض أن تنعكس إيجابا على الأمن الغذائي واستقرار الأسعار. غير أن الواقع كشف أن المواطن البسيط لم يلمس سوى مزيد من الغلاء والاحتكار والمضاربة.
عدد كبير من الأسر وجد نفسه عاجزا عن اقتناء أضحية العيد، بعدما تجاوزت أسعار الأكباش المتوسطة إمكانياته المحدودة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، من مواد غذائية ومحروقات وفواتير وخدمات، وهو ما جعل الكثيرين يتساءلون بمرارة … أين ذهبت كل تلك الملايير التي صرفت لدعم الفلاح والقطاع الفلاحي ؟ ولماذا لم يستفد المواطن من نتائجها؟
الأمر لم يتوقف عند أسعار الأضاحي فقط، بل امتد حتى إلى خدمات الذبح والسلخ، بعدما رفع بعض الجزارين أثمنتهم بشكل مبالغ فيه، مستغلين حاجة الناس وضيق الوقت، في مشهد يعكس تنامي ثقافة الانتهازية والجشع . فكيف يعقل أن تتحول شعيرة دينية قائمة على التضامن والتراحم إلى موسم للاستنزاف والبحث عن الربح السريع بأي ثمن؟
ما يحدث اليوم يعكس، بحسب متابعين، اتساع ظاهرة “الفراقشية” في مختلف القطاعات والمجالات، حيث أصبح السماسرة والمضاربون يتحكمون في الأسواق والأسعار، مستفيدين من غياب المراقبة الصارمة وضعف آليات حماية المستهلك. فالمواطن البسيط بات يشعر بأنه وحيد في مواجهة موجة غلاء لا ترحم، بينما تتقاذفه الوعود والخطابات دون حلول ملموسة على أرض الواقع.
الطبقة الوسطى، التي كانت لسنوات تشكل صمام أمان المجتمع ومحرك الاقتصاد الوطني، أصبحت اليوم مهددة بالاندثار. فالموظف والأجير وصاحب الدخل المحدود لم يعد قادرا على مسايرة الارتفاع المهول للأسعار، ما أدى إلى تآكل قدرته الشرائية بشكل خطير. ومع تراجع هذه الطبقة، يتراجع الاستهلاك، وتضعف الحركة الاقتصادية، ويتعمق الشعور بالإحباط وفقدان الثقة.
وفي المقابل، تتسع دائرة الفوارق الاجتماعية بشكل غير مسبوق ، فهناك فئة ميسورة لا تتأثر بالأزمات وتواصل الاستفادة من الامتيازات والاحتكار، مقابل فئة واسعة تعيش الهشاشة وتنتظر دعما اجتماعيا محدودا لا يكفي لتغطية أبسط الاحتياجات. وهو وضع يطرح تساؤلات حقيقية حول العدالة الاجتماعية والنموذج التنموي الذي يريده المغاربة.
إن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي لا يمر فقط عبر الأرقام والتقارير الرسمية، بل يقتضي حماية القدرة الشرائية للمواطن، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ودعم الفئات المتوسطة والفقيرة بشكل عادل وفعّال. فالمغاربة لا يطلبون المستحيل، بل يريدون فقط العيش بكرامة، والاحتفال بأعيادهم دون اللجوء إلى الديون أو الشعور بالعجز والانكسار.
ويبقى السؤال المحير ، الذي يتردد اليوم في الشارع المغربي …. إلى متى سيظل المواطن البسيط يدفع وحده ثمن الأزمات والاختلالات، بينما تتسع دائرة المستفيدين من اقتصاد الريع والمضاربة؟
