افتتاحية : حين تضيع البوصلة… هل نسي “البام” جذوره في الرحامنة؟
ليس من باب المزايدة ولا من باب تصفية الحسابات، بل من باب الوفاء لفكرة سياسية انطلقت من عمق الرحامنة، يطرح السؤال نفسه بإلحاح ، كيف لحزب ولد من هذه الأرض، أن يفقد اليوم جزءا كبيرا من امتداده وتأثيره داخلها؟
لقد كان حزب حزب الأصالة والمعاصرة في بداياته مشروعا سياسيا صاعدا، تشكلت نواته الأولى بسواعد أبناء الرحامنة، واحتضنته كتلة ناخبة منسجمة آمنت به ومنحته قوة انطلاق حقيقية. من هنا، لم يكن غريبا أن تتحول المنطقة إلى معقل انتخابي وتنظيمي، بل إلى مختبر سياسي لصناعة الأطر والقيادات.
لكن المسار لم يظل على نفس الوتيرة. فمع مرور السنوات، بدأت ملامح التراجع تظهر تدريجيا، سواء على مستوى التمثيلية داخل المؤسسات أو على مستوى الحضور التنظيمي. أسماء وازنة مرت من هنا ، وأسهمت في ترسيخ موقع الحزب جهويا ووطنيا. غير أن المعادلة تغيرت، وأصبحت القيادة الجهوية اليوم في يد طارق حنيش، في سياق يراه البعض عنوانا لتحول موازين القوة داخل الحزب.
الأمر لا يتعلق فقط بتداول الأسماء، بل بتراجع أدوار. الرحامنة التي كانت ممثلة بقوة داخل المكتب السياسي، وفي مجلس الجهة، وحتى تحت قبة البرلمان، أصبحت اليوم تبحث عن موطئ قدم داخل هذه المؤسسات. هذا التحول يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب هذا الانكماش ؟!!.
من بين المؤشرات الأكثر دلالة أيضا، ضعف البنية التنظيمية محليا. فالحزب الذي كان يعج بالمنخرطين والأنشطة، بات اليوم يعيش فراغا تنظيميا واضحا، في غياب أمانة إقليمية فاعلة، مقابل حضور خجول لباقي الهياكل رغم محاولات واعدة لبعض الشباب . كما أن مشاريع كانت تعد رافعة رمزية، مثل مقر الحزب بابن جرير، ظلت حبيسة الوعود، وهو ما عمق الإحساس بعدم الوفاء للالتزامات.
وفي خضم هذا الوضع، يتزايد الاحتقان بصمت. ليس لأنه طارئ، بل لأنه تراكم عبر الزمن دون معالجة جدية. لذلك، فإن طرح هذه التساؤلات لا ينبغي أن يفهم كمعارضة، بل كتنبيه. فالحزب الذي لا يصغي لصوت قواعده، ولا يعيد قراءة مساره، قد يجد نفسه يفقد تدريجيا ما بناه في سنوات.
الرهان اليوم ليس فقط استعادة مواقع انتخابية، بل استرجاع الثقة. والثقة لا تبنى بالشعارات، بل بالوضوح، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والوفاء للجذور الأولى للفكرة.
فالرحامنة لم تكن مجرد محطة في تاريخ الحزب، بل كانت منطلقه. وأي مشروع سياسي ينسى منطلقه، يخاطر بأن يفقد اتجاهه.
