banner ocp

من “المنجل” إلى “المطمورة”.. ذاكرة الفلاحة الأصيلة بالرحامنة .

0

من “المنجل” إلى “المطمورة”.. ذاكرة الفلاحة الأصيلة بالرحامنة.

في الرحامنة، لم تكن الفلاحة مجرد نشاط موسمي يرتبط بالأرض والمطر والزرع، بل كانت أسلوب حياة وهوية متجذرة في وجدان الناس، تختزن حكايات الآباء والأجداد، وتحمل تفاصيل زمن بسيط كانت فيه الأرض مصدر الكرامة والعيش والفرح.

ومع كل موسم حصاد، تعود إلى الذاكرة مصطلحات فلاحية أصيلة، ما تزال تحتفظ بعبق الزمن الجميل، وتشهد على عمق العلاقة التي جمعت الإنسان الرحماني بأرضه ومواسمه.

فما إن يحل موسم “الحصيدة” حتى تستيقظ الدواوير على إيقاع مختلف، وتتعالى أصوات الرجال والنساء في الحقول منذ ساعات الفجر الأولى، حيث يبدأ العمل باستعمال “المنجل”، الرفيق الأول للفلاح في قطع السنابل الذهبية. وهناك، وسط الحقول الممتدة، تتجسد “التويزة” كأروع صور التضامن والتآزر، حين يجتمع أهل الدوار لمساعدة بعضهم البعض في الحصاد دون مقابل، في مشهد تختلط فيه قيم التعاون بالمحبة وروح الجماعة التي ميزت المجتمع الرحماني.

وكان الفلاح يقيس أرضه بـ”الفدان”، ويحرثها بعرق الجبين، مترقبا رحمة السماء، رافعا أكف الدعاء بأن يبارك الله في “الزرع والضرع ”، ويجنب البلاد سنوات القحط والجفاف. وبعد جمع المحصول، تبدأ مرحلة “الدراس” باستعمال “الگاعة”، حيث تفصل حبات القمح عن السنابل، قبل تنقيتها بواسطة “الغربال”، الذي ظل لسنوات جزءا أساسيا من أدوات البيت والفلاحة معا.

أما “الشواري”، فكانت ترافق الفلاح في نقل المحاصيل على ظهور الدواب، محملة بخيرات الموسم، وسط فرحة الأطفال وابتسامات الكبار. ثم يأتي دور “المطمورة”، ذلك المخزن التقليدي الذي كان يحفظ القمح والشعير من التلف، ويؤمن قوت الأسرة طوال السنة، في زمن كانت البركة تسكن القليل، وكانت البساطة عنوان الحياة.

ومن المصطلحات الراسخة أيضا في الذاكرة الرحمانية: “السگني” و”التوفري” و”بوگجدي” و”الزعواط”، وهي كلمات ارتبطت بتفاصيل الحياة الفلاحية وأدواتها وطقوسها، وتشكل اليوم جزءا من التراث اللامادي الذي يحكي تاريخ المنطقة وعلاقتها بالأرض والمواسم.

كما كان “العشور” مناسبة دينية واجتماعية تعكس قيم التكافل والشكر، حيث يحرص الفلاح على إخراج حق الفقراء والمحتاجين من خيرات الأرض، اعترافا بنعمة الله وبركة الحصاد.

لقد كانت الفلاحة في الرحامنة مدرسة للصبر والقناعة والتعاون، وكانت مواسم الحصاد أعراسا جماعية تمتزج فيها رائحة التراب بأهازيج الفرح والدعاء. ولم تكن الأرض مجرد مورد اقتصادي، بل كانت روحا نابضة بالحياة، تمنح الإنسان معنى الانتماء والكرامة.

واليوم، ورغم تغير الزمن وتطور وسائل الفلاحة، ما تزال هذه المصطلحات تعيش في ذاكرة الكبار، وتستحق أن توثق وتحفظ، لأنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل جزء من تاريخ الرحامنة وثقافتها الشعبية الأصيلة.

اللهم بارك في الزرع والضرع ولكسيبة ، وأدم نعمتك على الفلاحين والبسطاء، واجعل هذا الحصاد حصاد خير وبركة وفرح، وافتح لعبادك أبواب الرزق والتيسير، واحفظ أرضنا وبلادنا من الجفاف والغلاء، واجعل سنابل الخير لا تنقطع عن هذه الأرض الطيبة.

الصورة أعلاه : للناشط السياسي  ،  والعضو الجماعي بجماعة سبت البريكيين بإقليم الرحامنة . الشاب الخلوق “ياسين الطالبي ” 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.