banner ocp

الحركة النسوية بالعالم العربي: ماذا حققت؟

0

الحركة النسوية بالعالم العربي: ماذا حققت؟

باش نكون صريحة معاك، المجتمعات العربية، الإفريقية، المسلمة أو لا غير المسلمة…معمرهم غادي يتقبلوا باش تكون الأم “عازبة”، بالشكل لي غادي تسمع به في أوربا.”
عائشة الشنا،” سلطانة”، 07 ، دجنبر، 2018.

في البداية، لا بد بأن نذكر ببعض “المفاهيم “، كي تكون توجهاتنا واضحة. أولها “النسوية” و ثانيهما “النسائية”. حيث أن الأولى هي عبارة عن حركة أو توجه سياسي ، اقتصادي ، اجتماعي، ثقافي و ديني، يترأسها كل من يندد “بإفراط” بحقوق المرأة، و في الرغبة في رد الاعتبار لها و كأنما وجد للدفاع عنها “بطريقته الخاصة” و التي تحاكي حركات أخرى” غربية” و ذلك دون اعتبار أي جانب قدحي لهذه الكلمة. و تهدف مطالبها إلى تحقيق مكانة للمرأة باعتبارها فردا حرا و يتساوى مع نظيره ” الرجل”، كي لا نقول “الذكر”، هروبا من دوامة التأويلات التي – شئنا أم أبينا- تفرض نفسها حتى في صفوف بعض المثقفين و العارفين.
أما “النسائية” فهي في المقابل مجموع انجازات المرأة داخل المجتمع و وجودها و الدور الذي تلعبه في الساحة المجتمعية و على جميع الأصعدة. فالنسائية” في هذه الحالة لا تمت بأدنى صلة “للنسوية”’ ما عدى في بعض رئيسيات المطالب و الأيديولوجيات البدئية و التي تترأسها مبادئ المساواة بين الجنسين و حق المرأة في ممارسة حقوقها السياسية، وهي أمور قد يتم أخذها بعين الاعتبار في مكان و زمان محددان ، مع العلم أنه في نفس الوقت هناك من يخل بأبسط هذه الحقوق و التي يبدو من العيب أن نعتبرها حقوقا ما دامت الطبيعة تجود علينا بها، و لله حكمة و شأن في خلقها.
بعد هذه المقدمة التعريفية، لا بد من طرح بعض الإشكاليات الحتمية: ما مدى تكامل و عقلانية المطالب “النسوية” في العالم العربي؟ و ما مدى انسجامها مع السياق التاريخي و الثقافي السائد في المجتمع؟ و إلى أي حد تسهم النظريات الغربية و النشطاء الجمعويين و الحقوقيين الغربيين في تأثر العرب و فكرهم؟ كيف تسير الأوضاع عند الأسر التقليدية و التي لا ذنب لها في “همجية” أو “ذكورية” أو شطط ،كما يقول البعض، قراراتها، بل تعنيفها للمرأة، الشيء الذي يذكرنا ” بإسراء غريب” و العديد من النساء المضطهدة حقوقهم و المسلوبة حرياتهم. كيف يواجه الحقوقيون و المجتمع المدني و”النسويون” خصوصا موجات ثنائية “الرجل” و “المرأة” و ما يفرزه ذلك من جدالات و صراعات و تهاتف يصفه البعض بالاستعجالي و المعقول و الضروري لأنه يخول للمرأة الحصول على نفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل حتى و إن كان حال الرجل في ذلك المجتمع أكثر تضررا من المرأة أو يعيشان نفس الظروف، و يصفه البعض الآخر بالمرفوض و المضلل و الثانوي و غير الضروري في ظل وجود شريعة إسلامية سهرت على الجمع بين، ليس فقط الرجل و المرأة، بل بين البشر أجمعين؟ كما كان للمرأة نصيب من الحديث و نصيب من الثناء و الحب و المركزية في مستقبل الأمم.
من الواضح إذن أن المجتمعات العربية أصبحت تحاكي في العديد من مجالات الحياة العامة، المجتمعات الغربية، و ذلك لأسباب يربطها البعض بالتاريخ الأسود و المأساوي الذي سببه الاستعمار الأجنبي لهذه المجتمعات ، بينما يدعي البعض الأخر أن هذا الاستعمار كان له الفضل في خروج هذه المجتمعات من مرحلة كانت ستكلفها الكثير، و يعلق آخرون مرددين : “تلك نتائج العولمة” و وسائل الإعلام و شبكات التواصل الاجتماعي و “الديب ويب” و…
ليس لأحد الحق في منع التواصل بين الشعوب و الثقافات، إنما له الحق في منع انتشار الأفكار الخاطئة، الانتهازية، الرامية للعنف أو المحرضة عليه، الدغمائية، القطعية التي تحول دون تحقيق التعايش و التعاون الذي من المفترض أن تتصف به العلاقات بين “كل الشعوب”.
و إن ما يلطخ سمعة هذه الحركات ” النسوية” في ‘العالم العربي” هو ليس فقط عدم تماثل السياق الاجتماعي و الثقافي و الديني في المجتمعات العربية مع مطالب النسويين ب”فرنسا” ، ب”الولايات المتحدة الأمريكية” أو “بريطانيا” على سبيل المثال، إنما ميل بعض هذه الحركات ميلا نحو الوقوف جنبا إلى جنب مع النساء ذوات القليل أو الكثير من الشهرة و اللواتي ساعدتهن الظروف في الخروج خروجا صريحا، معترفات بذلك عن رفضهن ، استيائهن أو تعرضهن للعنف أو التعنيف جسديا كان أم نفسيا، بينما تظل نسبة/فئة من النساء و نخص بالذكر النساء القرويات، سكان البوادي و الجبال و البعيدة أصواتهن عن محطات الأقمار الاصطناعية و القنوات التلفزية، بل حتى “وسائل التواصل الاجتماعي” لا تسدي أي خدمات إنسانية للنساء المتضررات، إذ لازلن- و هو أمر يؤيد جزئيا مشروعية نشأة “الحركات النسوية “في مفهومها الشامل- يعانين الفقر و القهر و التهميش و مشكل الأمية الذي- بالرغم من المجهودات المشهود لها- لازال يعرقل عجلة النمو الفكري و الاجتماعي في المجتمعات العربية، الإسلامية، أمور تعرقل وصول أصوات هذا الصنف من النساء إلى الرأي العام و تجمد كل محاولات النجاة أو الهروب حتى.
و هذا الوضع – أي تعدد المرجعيات المعتمدة كذريعة أو مبرر لنشأة الجمعيات النسوية و كل أشكال الدفاع عن حقوق المرأة و المطالبة بتحريرها و دعمها ومساعدتها للتثبت بحقوقها و عدم الاستسلام و ما إلى ذلك… كلها شعارات هدفها الظاهر إعادة الاعتبار للمرأة، و هدفها المخفي مخفي له جذور “فلسفية” ، ليبيرالية” ،”تحررية”- يبرز بجلاء و وضوح تامين أن الهدف من وراء كل هذه الأصوات المنددة و المدافعة عن “الأنثى” ما هي إلا سعي مستتر وراء تحقيق مطالب ذات بعد منفعي، سواء كان شخصيا أو مؤسساتيا أو ايديولوجيا داخلي أو خارجي.
في المقابل، يضفي هذا التنوع في المرجعيات طابعا “ثانويا” يميل نوعا ما إلى التجديد و البحث عن سبل أكثر نجاعة و فاعلية لتمرير أيديولوجيات “تحريضية”، داعية إلى التحرر و الثورة على التقاليد و الأعراف، بل حتى على ما ماجاءت به الشريعة الإسلامية التي يصفها البعض بالقصور و يدعي البعض الآخر انه “أكل عليها الدهر و شرب”، و هي التي لم تدخر أي جهد في الإقرار مرارا و تكرارا في “النص القرآني” و “الحديث النبوي الشريف” بحقوق المرأة و مكانتها الهامة و المحورية داخل هذه المجتمعات، و ذلك دون إهمال أو إقصاء الرجل و نبذ الدور الرئيس الذي من المفروض أن يلعبه “التكامل” الايجابي- كي لا نقول “المساواة” و ذلك نظرا لاستحالة هذا المطلب المجحف و الذي لا تتماشى بنوده مع الخصائص المميزة طبيعيا بين الطرفين- المبني على الحوار و التواصل البناء و المبني على” تربية” و “تعليم” محددة ركائزهما و أهدافهما و برامجهما بدقة تراعي كل جوانب الحياة في مجتمع إسلامي منفتح و متفتح على الثقافات و المتماشي مع المبادئ و “القيم الكونية” و هي تماما رسالة الدين الإسلامي.
أما القول أن “المجتمعات العربية، الإفريقية المسلمة أو غير المسلمة ،ستظل تنظر مثلا لقضية ” المرأة العازب” بنوع من الرفض، التعصب ،اللوم و كل ما يترتب عن ذلك من أفكار “رجعية”، تقوم على الإفراط في أحكام القيمة و اللجوء إلى لغة تزيد الطين بلة و تزكي التنافر و التباعد و المحاكاة، فذلك ليس إلا قصور و عجز في أوساط المثقفين و العارفين بالدين و المربيين و الجامعيين و الأسرة عن تعريف “النسوية” و التطرق لها بجدية و عقلانية.
في ظل تآكل البنيات التربوية – أقصد الدور الذي أنيطت به كل المؤسسات الساهرة على “التنشئة الاجتماعية” في العالم العربي- لا يمكن حل هذا المشكل المفتعل و الذي من المحتمل أنه سيظل حبيس الأوراق و المحاضرات و المحافل الدولية .

كريم الحدادي، طالب باحث في سلك الماجستر، تخصص “ديداكتيك اللغة الفرنسية، بجامعة محمد الأول” بوجدة، حاصل على شهادة الإجازة في “ديداكتيك اللغة الفرنسية من “كلية علوم التربية بالرباط” ، كاتب لدى مجموعة من دور النشر في فرنسا :
Edilivre-
Editions Universitaire Européennes,-
Publiwiz-
مدون على منصة “مغرب الثقافة-Maroc culture-
عضو في جمعية LOGOS Penser autrement-Rabat 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.