خالد مصباح : النخب الحزبية ورهانات المغرب الصاعد، هل تعكس بروفايلات المرشحين حجم التحديات المطروحة؟
بقلم خالد مصباح الفاعل الجمعوي والحقوقي بالرحامنة .
يواجه المغرب في مساره التنموي الحديث جملة من التحديات الاستراتيجية الكبرى، بدءا من تنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد، مرورا بمواجهة التغيرات المناخية والإجهاد المائي، وصولا إلى كسب رهان الرقمنة والسيادة الاقتصادية والصحية، أمام هذا الوضع يطرح المتتبع للشأن السياسي والوطني سؤالا جوهريا ومؤرقا، يتعلق بمدى جاهزية المشاتل إن صح التعبير او المدارس الحزبية لتزويد المؤسسة التشريعية بكفاءات قادرة على مجابهة هذه الرهانات.
إن تأمل خريطة البروفايلات والمشاريع البرلمانية المستقبلية التي تدفع بها الهيئات السياسية إلى الواجهة، يضعنا أمام مفارقة صارخة بين طموح دولة يسير بإيقاع سريع نحو الحداثة والبناء المؤسساتي الرصين، وبين عرض حزبي يبدو في كثير من الأحيان عاجزا عن التخلص من جلباب الأعيان واصحاب المال، والولاءات الضيقة على حساب معايير الكفاءة والاستحقاق.
أسئلة حارقة موجهة لضمير الحقل الحزبي الوطني.
أمام هذا المشهد، يصبح من الواجب الوطني توجيه أسئلة إشكالية ومباشرة إلى مختلف مكونات الحقل الحزبي الوطني المغربي.
هل أنتم راضون، حقا، عن تقديم هذه البروفايلات كمشاريع لبرلمانيي المستقبل؟ وهل تعكس هذه الاختيارات طموحات القواعد الحزبية والشباب المغربي الذي يطمح لرؤية وجوه تجسد النزاهة والفكر الاستراتيجي وتعبر عن طموحاتنا وٱماله؟
هل أنتم مقتنعون بأن هذه الشخصيات هي المؤهلة لتدبير الرهانات المستقبلية المعقدة للمغرب؟
إن صناعة التشريع وتقييم السياسات العمومية لم تعد مجرد وجاهة اجتماعية أو قدرة على حشد الأصوات الانتخابية، بل أصبحت تخصصا يتطلب إلماما عميقا بملفات الاقتصاد، القانون، والتحولات الرقمية والاجتماعية.
هل التحديات المطروحة على المغرب تقتضي رجالات من نوع آخر غير التي تقدمونها؟
إن مغرب اليوم الذي يفاوض في المحافل الدولية ويقود مشاريع هيكلية كبرى، يحتاج داخل قبة البرلمان إلى بروفايلات تمتلك القدرة على التناظر والتحليل والترافع والقدرة على الاقناع بحكم ارتباطها بالتراب ومشاكله واكراهاته، وكذا صياغة بدائل تشريعية واقعية، وليس مجرد كائنات انتخابية تنتهي مهمتها بانتهاء فرز الأصوات وإعلان النتائج.
تشخيص الأزمة بين الهاجس الانتخابي وفقر النخب :
تكمن معضلة الحقل الحزبي اليوم في سيطرة الهاجس العددي اي الفوز بالمقاعد بأي ثمن كان, وذلك على حساب الكيف السياسي وجودة النخب المؤهلة
حيث تحولت التزكيات الحزبية في كثير من المحطات إلى صكوك استحقاق تمنح لمن يملك النفوذ المالي والشبكات العائلية أو القبلية والنفوذ السياسي على تدبير الحملات الانتخابية، مما أدى إلى إقصاء تدريجي للأطر، المثقفين، والشباب حاملي المشاريع الفكرية والتنموية الحقيقية.
هذا الفقر في تجديد النخب يساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ويزيد من معدلات العزوف السياسي، خاصة في صفوف الكفاءات الشابة التي ترى في العمل الحزبي المعاصر بيئة طاردة لا تشجع على العطاء القائم على الاستحقاق المعرفي والأخلاقي.
خارطة طريق للإصلاح مع توصيات وجيهة لتصحيح المسار :
إن إصلاح هذا الوضع ليس ترفا فكريا، بل هو ضرورة حتمية لضمان توازن المؤسسات واستقرار المسار الديمقراطي. ولتحقيق هذه الغاية، نقترح جملة من التوصيات الموجهة لصناع القرار الحزبي والسياسي :
اولا : مأسسة معايير التزكية وتعديل القوانين الداخلية للأحزاب حيث يجب الانتقال من منطق الولاء والمال إلى منطق الأهلية والكفاءة والتخصص، حيث يتعين على الأحزاب وضع مساطر ديمقراطية وشفافة لمنح التزكيات، تعتمد على السيرة الذاتية للمرشح، مستواه العلمي، وتاريخه في النضال والمواطنة، مع إشراك القواعد في اختيار مرشحيها عبر انتخابات تمهيدية داخلية ممهدة للعملية الانتخابية ككل.
ثانيا : ولربط الأهلية البرلمانية بمهام صناعة التشريع.
نقترح مراجعة غير مباشرة لشروط الترشيح للبرلمان خاصة الغرفتين مجلس النواب ومجلس المستشارين، بحيث يتم تشجيع ودعم البروفايلات ذات الخلفيات الأكاديمية والمهنية المتنوعة قانونيون، اقتصاديون، خبراء بيئة وطاقة، فاعلون جمعويون وحقوقيون بارزون في المجتمع، وذلك لضمان جودة القوانين المشرعة وقوة الرقابة على العمل الحكومي.
ثانيا : إحياء مشاتل التكوين الحزبي والفكري
التي على الهيئات السياسية استعادة أدوارها الدستورية في تأطير المواطنين عبر خلق مثلا : أكاديميات حزبية للتكوين السياسي والتربية على المواطنة وحقوق الانسان، تعنى بإعداد وتأهيل أطر ورجالات الغد، وذلك عبر تمكينهم من آليات تحليل السياسات العمومية، والميزانيات المستجيبة للنوع الاجتماعي، والرهانات الترابية.
رابعا : تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة السياسية
بحيث يتعين على الأحزاب إحداث لجان داخلية للأخلاقيات ولتقييم أداء برلمانييها بشكل دائم ومتواصل.
إن البرلماني الذي يغيب عن الجلسات، أو يعجز عن تقديم مقترحات قوانين، أو يفشل في الترافع عن قضايا دائرته والمصلحة العليا للوطن، يجب أن لا يحصل نهائيا على التزكية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وغيرها، رغم أن الاصل هو الحق، لكن المصلحة العليا للوطن والمواطن تحضر هنا اكثر من اي أولوية اخرى.
خامسا : تشجيع التشبيب والتأنيث الفعلي لا الصوري مع القطع مع منطق اللوائح الاستثنائية، كريع سياسي في اعتقاد الكثير من الفاعلين، وكذا تحويل حضور الشباب والنساء إلى دينامية حقيقية داخل الهياكل القيادية للأحزاب وفي صدارة الدوائر المحلية، بناء على الكفاءة والمشروع الإقناعي الذي يتبناه قائدي المشروع المجتمعي المفترض.
على سبيل الخاتمة :
إن المغرب وهو يخطو بثبات نحو المستقبل، لا يملك ترف الوقت لإهداره مع نخب برلمانية لم تعد قادرة على العطاء وغير متسوعبة لرهانات البلد وللتدبير الاستراتيجي الملفات الكبرى المطروحة على بلادنا، ذلك أن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق كل القيادات الحزببة. وخاصة منها على سبيل المثال الأمناء
العامين للأحزاب والمكاتب السياسية وكل اجهزتها التقريرية والتنفيذية، وذلك عبر اختبارات متعددة ومتنوعة منها، إما الانخراط الشجاع في ثورة ذاتية لتجديد النخب وتقديم بروفايلات تشرف الوطن وتواكب طموحات الارادة العليا والشعب المغربي، أو الاستمرار في إعادة إنتاج نفس الوجوه، وتحمل كلفة تعميق أزمة الثقة ومقاومة التغيير. لقد حان وقت الاختيار الصعب، وهو خيار الجميع، فهل من ٱذان صاغية معقولة مستجيبة؟…
