banner ocp

من سبورة الأمس إلى منصات اليوم.. حين كان التعليم مدرسة للأخلاق وأصبحت الصحافة ساحة للتنافر!! افتتاحية : 

0

من سبورة الأمس إلى منصات اليوم.. حين كان التعليم مدرسة للأخلاق وأصبحت الصحافة ساحة للتنافر!!

افتتاحية : 

هناك مهن لا تقاس فقط بما تمنحه لصاحبها من رزق، بل بما تتركه في النفس من أثر، وما تبنيه داخل المجتمع من قيم ورسائل نبيلة. ومن بين هذه المهن، تبقى مهنة التعليم واحدة من أسمى الرسالات الإنسانية، لأنها تصنع الإنسان قبل أن تصنع المعرفة، وتربي الأجيال قبل أن تمنحها الشهادات. وبعد أزيد من اثنتين وثلاثين سنة داخل أسوار المدرسة، يصبح الحديث عن التعليم حديث ذاكرة ووجدان وحنين إلى زمن جميل كانت فيه العلاقات الإنسانية أكثر دفئا ونقاء.

لقد كان رجل التعليم في الأمس يحمل هيبة المربي ورسالة القدوة، يدخل القسم بكل وقار، فيستقبله التلاميذ بالاحترام والتقدير، ويغادره وهو يشعر بسعادة داخلية لأنه أدى واجبه في التلقين والتوجيه والإرشاد. ولم تكن فرحة الأستاذ تنتهي عند حدود النجاح الدراسي، بل كانت تكبر عندما يرى أحد تلامذته بعد سنوات طبيبا أو مهندسا أو أستاذا أو مسؤولا في منصب رفيع، فيدرك حينها أن جزءا من ذلك النجاح صُنع داخل القسم وعلى يديه.

أما العلاقات بين رجال التعليم أنفسهم، فكانت أقرب إلى الروابط الأسرية منها إلى مجرد زمالة مهنية. كان الاحترام سائدا، والتعاون حاضرا، والتآزر عنوانا في الأفراح والأحزان. فإذا مرض أحدهم وجد الجميع إلى جانبه، وإذا ألمت به مصيبة شعر أن الأسرة التعليمية كلها تتقاسم معه الألم. كانوا كالجسد الواحد، تجمعهم المروءة والنخوة وحسن المعاشرة، رغم بساطة العيش وقلة الإمكانيات.

وفي المقابل، وبعد تجربة امتدت لعقد من الزمن داخل مجال الصحافة كمدير للنشر بإحدى الجرائد، تبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد. فالصحافة، رغم نبل رسالتها ودورها الحيوي في تنوير الرأي العام، أصبحت تعيش على وقع التنافر والتشرذم والصراعات الخفية. فكثير من العاملين في هذا المجال تحكمهم الحسابات الضيقة والمنافسة غير الشريفة، حتى غدا البعض يتربص بالآخر أكثر مما ينشغل بخدمة الحقيقة.

وفي زمن “الشوشيال ميديا”، ازدادت الأمور تعقيدا، بعدما اقتحم المجال أشخاص يختبئون وراء أسماء مستعارة وصفحات وهمية، يمارسون الذم والتشهير والخوض في أعراض الناس دون حياء ولا أخلاق ولا مسؤولية. فبدل أن تكون المنصات الرقمية فضاء للرأي الهادف والنقاش الراقي، تحولت عند البعض إلى أدوات لتصفية الحسابات وبث السموم والإشاعات والابتزاز المعنوي.

ولا يمكن إنكار وجود صحفيين مهنيين شرفاء ما زالوا يحملون رسالة الإعلام النبيل، ويدافعون عن الكلمة الصادقة والمحتوى الرصين، لكنهم أصبحوا يشتغلون وسط ضجيج كبير يطغى عليه السعي وراء “البوز” والمديح والانبطاح والمصالح الشخصية.

إن الفرق الجوهري بين الزمنين، هو أن رجال التعليم في الأمس كانوا يشتغلون بمنطق الرسالة والقيم، بينما أصبح جزء من المشهد الصحفي اليوم تحكمه الحسابات الفردية والأنانية والتناحر. ولذلك، فإن الحاجة أصبحت ملحة لتلاقح أخلاق التربية والتعليم مع مهنة الصحافة، حتى تستعيد هذه الأخيرة روحها الحقيقية، لأن الصحفي قبل أن يكون ناقلا للخبر، يجب أن يكون صاحب أخلاق ومروءة وشهامة ومسؤولية.

فالصحافة التي لا أخلاق لها، تتحول إلى فوضى. والكلمة التي لا ضمير وراءها، تصبح سلاحا للهدم بدل البناء. وما أحوجنا اليوم إلى إعلام يشبه المعلم القديم ، هادئا في خطابه، راقيا في أسلوبه، نزيها في رسالته، يربي كما يعلم، وينصح كما ينتقد، ويبحث عن الحقيقة لا عن الإثارة.

إن نوستالجيا الزمن الجميل ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي دعوة صادقة لاسترجاع القيم التي كانت تجعل من المهن النبيلة مدارس للأخلاق قبل أن تكون وسائل للعيش والمكانة الاجتماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.