banner ocp

التدبير الديمقراطي للجماعات الترابية بالمغرب: بين رهانات التنزيل وتحديات المستقبل.

0

التدبير الديمقراطي للجماعات الترابية بالمغرب: بين رهانات التنزيل وتحديات المستقبل.

في سياق النقاش الوطني المتواصل حول إصلاح منظومة الحكامة الترابية وتعزيز مسار اللامركزية، قدّم الأستاذ الباحث Rabaa Jaouad (جواد الرباع ) مداخلة علمية وازنة ضمن أشغال الندوة الوطنية الموسومة بـ”اللامركزية والجهوية المتقدمة: تقييم الحصيلة واستشراف المستقبل في أفق تخويل الحكم الذاتي لجهات الصحراء”، والتي احتضنتها رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأيت ملول يومي 20 و21 أبريل 2026.

وجاءت هذه المداخلة، التي حملت عنوان “التدبير الديمقراطي للجماعات الترابية: الإشكاليات والتحديات”، لتسلط الضوء على واحدة من أهم القضايا الراهنة المرتبطة بتطوير نموذج الحكامة المحلية بالمغرب، في ظل التحولات الدستورية والمؤسساتية التي يعرفها البلد منذ اعتماد دستور 2011، وما أفرزه من دينامية جديدة في تدبير الشأن العام الترابي.

وقد انطلق الباحث من تشخيص دقيق لمفهوم التدبير الديمقراطي للجماعات الترابية، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المجالية وتعزيز مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار المحلي، مؤكداً أن هذا النموذج لا يقتصر فقط على الآليات القانونية والتنظيمية، بل يمتد ليشمل ترسيخ ثقافة ديمقراطية قائمة على الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي معرض تحليله، توقف المتدخل عند جملة من الإشكالات التي تعترض التنزيل الفعلي لمبادئ التدبير الديمقراطي، من بينها محدودية الاستقلالية المالية للجماعات الترابية، وتداخل الاختصاصات بين مختلف مستويات التدبير، إضافة إلى ضعف القدرات التدبيرية لبعض المنتخبين والأطر الإدارية، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات العمومية المقدمة للمواطنين.

كما أبرزت المداخلة التحديات القانونية والمؤسساتية التي تواجه ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، خاصة ما يتعلق ببطء إخراج بعض النصوص التطبيقية، وصعوبة التنسيق بين الفاعلين الترابيين، فضلاً عن الحاجة إلى تأهيل الموارد البشرية وتعزيز آليات الحكامة الجيدة.

ولم تقتصر المداخلة على تشخيص الأعطاب، بل سعت إلى استشراف آفاق تطوير التدبير الترابي، من خلال الدعوة إلى تعزيز اللامركزية الفعلية، وتوسيع صلاحيات الجماعات الترابية، وتحسين مواردها المالية، إلى جانب اعتماد مقاربات جديدة تقوم على الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية، بما يواكب التحولات الرقمية التي يعرفها العالم.

وفي هذا الإطار، شدد الباحث على أهمية الاستثمار في التحول الرقمي كرافعة أساسية لتحديث الإدارة الترابية، وتعزيز الشفافية، وتقريب الخدمات من المواطنين، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة ويستجيب لتطلعات الساكنة المحلية.

كما ربطت المداخلة بين تطوير الحكامة الترابية وتفعيل مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، معتبرة أن نجاح هذا الورش الاستراتيجي يمر عبر بناء نموذج تدبيري ديمقراطي ناجع، قادر على تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

وتندرج هذه المشاركة العلمية ضمن الدينامية الأكاديمية التي تسعى إلى تقييم حصيلة اللامركزية بالمغرب، ليس فقط من زاوية الإنجازات، بل أيضاً من خلال الوقوف على مكامن القصور واقتراح بدائل عملية كفيلة بتجويد الأداء الترابي، بما ينسجم مع الرهانات التنموية الكبرى التي يواجهها المغرب في المرحلة الراهنة.

وتبقى مثل هذه اللقاءات العلمية فضاءً خصبا لتبادل الرؤى بين الباحثين والفاعلين المؤسساتيين، بما يسهم في بلورة تصورات جديدة قادرة على الارتقاء بمنظومة التدبير الترابي، وتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة تشمل مختلف جهات المملكة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.