banner ocp

الجزائر والبوليزاريو…. حين يتحول “الفيل” إلى عبء يهدم البيت .

0

الجزائر والبوليزاريو.. حين يتحول “الفيل” إلى عبء يهدم البيت .

منذ عقود، اختارت الجزائر أن تحتضن جبهة البوليساريو، وتوفر لها الأرض والسلاح والدعم السياسي والدبلوماسي، ظنا منها أنها تصنع ورقة ضغط دائمة ضد المغرب، وتبقي ملف الصحراء مفتوحا لاستنزاف الجار الغربي وإرباك وحدته الترابية. غير أن السنوات أثبتت أن بعض المشاريع التي تبنى على الحسابات الضيقة تتحول مع الزمن إلى أعباء ثقيلة يصعب التخلص منها، تماما كمن قرر تربية فيل صغير فوق سطح منزله، فلما كبر لم يعد قادرا على إنزاله، ولا على الاستمرار في تحمل تكاليفه، ولا حتى على تجاهل الخطر الذي صار يهدد البيت بأكمله.

لقد أصبحت البوليساريو بالنسبة للنظام الجزائري عبئا سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا وأمنيا. فالعالم الذي كان في زمن الحرب الباردة يقبل بالشعارات الثورية والخطابات الإيديولوجية، تغير اليوم بشكل جذري، وأصبحت الدول تقاس بمدى قدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية، لا بمدى قدرتها على صناعة النزاعات وتغذية الانفصال.

في المقابل، اختار المغرب منذ سنوات نهجا مختلفا، يقوم على التنمية الميدانية للأقاليم الجنوبية، وربط الصحراء المغربية بمشاريع استراتيجية ضخمة، من موانئ وطرق واستثمارات، إلى جانب انفتاح دبلوماسي واسع جعل عددا كبيرا من القوى الدولية يعتبر مبادرة الحكم الذاتي الحل الواقعي والعملي الوحيد لهذا النزاع المفتعل.

التحولات الدولية الأخيرة لم تعد تترك للجزائر هامشا كبيرا للمناورة. فالمواقف الدولية الداعمة لمغربية الصحراء تتوسع باستمرار، والتمثيليات القنصلية في مدينتي العيون والداخلة تتزايد، بينما تتراجع أطروحة الانفصال يوما بعد آخر داخل المنتظم الدولي. كما أن القرارات الأممية الأخيرة كرست بشكل واضح أولوية الحل السياسي الواقعي القائم على التوافق، بعيدا عن أوهام الانفصال والشعارات التي تجاوزها الزمن.

وفي الوقت الذي يحقق فيه المغرب اختراقات دبلوماسية متتالية، تبدو الجزائر وكأنها دخلت في عزلة سياسية متنامية بسبب إصرارها على ربط سياستها الخارجية بملف استنزف خزائنها وأضعف صورتها الإقليمية. فبدل أن تستثمر ثرواتها الهائلة في التنمية الداخلية وتحسين أوضاع شعبها، وجدت نفسها مطالبة بالاستمرار في تمويل كيان يعيش على المساعدات والدعم الخارجي، دون أفق سياسي حقيقي.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع بات يشكل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة المغاربية بأكملها، إذ إن بقاء النزاع مفتوحا يحرم شعوب المنطقة من حلم الاتحاد المغاربي والتنمية المشتركة والتكامل الاقتصادي، ويحول الحدود إلى مناطق توتر بدل أن تكون فضاءات للتعاون والتبادل.

إن العالم اليوم يرسل رسائل واضحة لا لبس فيها: زمن الكيانات الوهمية يقترب من نهايته، والحلول الواقعية هي وحدها القادرة على الصمود. أما الاستمرار في الرهان على مشروع انفصالي فقد صار يشبه فعلا ذلك “الفيل” الذي كبر فوق السطح، حتى أصبح هدم البيت نفسه أقرب من إيجاد طريقة لإنقاذه.

لقد أدركت دول كثيرة أن الصحراء مغربية بحكم التاريخ والجغرافيا والواقع، وأن المغرب استطاع أن يحول القضية من ملف نزاع إلى مشروع تنموي واستراتيجي متكامل. أما الجزائر، فهي اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما ،  إما مراجعة حساباتها والاندماج في منطق التعاون الإقليمي، أو الاستمرار في حمل عبء سياسي يزداد ثقلا مع مرور الوقت، حتى يتحول إلى صدع داخلي يصعب احتواؤه.

وفي السياسة كما في الحياة، بعض الأخطاء حين تطول تصبح كلفتها أكبر من القدرة على إصلاحها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.