كتاب في 11 جزءا يعيد التفكير في تكوين أساتذة العلوم: من نقل المعرفة إلى بناء الفهم .
مؤلف الكتاب : الدكتور “عبد الجليل معروف ”
اعداد وتقديم : عياد الراضي .
في زمن تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية، لم يعد تدريس العلوم مجرد عملية تلقين للمعارف، بل أصبح رهانا استراتيجيا لإعداد أجيال قادرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. في هذا السياق، يأتي مشروع المؤلف “عبد الجليل معروف” ، الذي يقدم عملا متكاملا في 11 جزءا، واضعا تصورا جديدا لتكوين مدرسي ومدرسات العلوم، قائمًا على تجاوز النماذج التقليدية نحو مقاربة أكثر عمقا وفعالية.
ينطلق هذا العمل من قناعة أساسية مفادها أن تحسين جودة تدريس العلوم يمر عبر إعادة النظر في كيفية إعداد المدرسين. لذلك، يعتمد المشروع على إدماج مفاهيم ديداكتيك العلوم بشكل متوازن، بحيث لا تبقى حبيسة التنظير، بل تتحول إلى أدوات عملية تساعد المدرس داخل الفصل. هنا، لا يكون التكوين مجرد تراكم للمعارف، بل بناء لكفاءات مهنية قادرة على التفاعل مع واقع التعلم وتعقيداته.
واحدة من أبرز الأفكار التي يدافع عنها المؤلف هي إعادة الاعتبار لتمثلات التلاميذ. فبدل التعامل معها كأخطاء يجب تصحيحها، يتم النظر إليها كمنطلقات أساسية لبناء التعلم. هذا التحول في النظرة يضع المدرس في موقع المرافق لا الملقن، ويجعل من القسم فضاء للحوار والاكتشاف بدل كونه مجالا للإجابات الجاهزة. فالتعلم الحقيقي، كما يوضح الكتاب، لا يتحقق بإلغاء الأفكار السابقة، بل بإعادة بنائها ضمن تصور علمي أكثر دقة.
وفي هذا الإطار، يحتل مفهوم “التغيير المفاهيمي” مكانة مركزية، باعتباره عملية معقدة تتطلب من المتعلم إعادة تنظيم معارفه، لا مجرد استبدالها. وهنا تبرز أهمية استراتيجيات مثل النمذجة العلمية، التي تسمح للتلاميذ ببناء تمثيلاتهم الخاصة للظواهر، واختبارها وتطويرها. هذا الأسلوب يحول التعلم من عملية سلبية قائمة على الحفظ، إلى تجربة نشطة قائمة على الفهم العميق.
ولا يغفل الكتاب أهمية تنويع المقاربات البيداغوجية، حيث يدعو إلى الجمع بين نهج التقصي، الذي يعزز روح البحث والاكتشاف، والتدريس الصريح، الذي يوفر التأطير الضروري خاصة في المفاهيم المعقدة. هذا التوازن، في نظر المؤلف، هو ما يضمن تعلما فعالا يجمع بين الحرية الفكرية والدقة العلمية.
لكن نجاح العملية التعليمية لا يتوقف فقط على اختيار الطرق المناسبة، بل يتطلب أيضا وعيا بتنظيم التعلمات داخل الفصل. وهنا يشدد الكتاب على ضرورة التخطيط المحكم، وبناء تسلسل منطقي للدروس، مع الاستعانة بأدوات مثل الخرائط المفاهيمية وتحليل الصعوبات المتوقعة. كما يبرز أهمية التدبير المرن، الذي يراعي الفروق الفردية بين التلاميذ، ويعتمد التقييم التكويني كوسيلة للتتبع والتقويم المستمر.
ومن الجوانب العميقة التي يسلط عليها الضوء، ما يعرف بـ”العقد التربوي”، أي تلك القواعد الضمنية التي تحكم العلاقة بين المدرس والتلميذ. إذ يدعو المؤلف إلى جعل هذه القواعد واضحة، وبناء مناخ تعليمي قائم على الثقة، حيث يصبح الخطأ فرصة للتعلم، لا سببا للعقاب أو الإحراج.
وفي ظل الثورة الرقمية، يفتح الكتاب نقاشا حول دور التكنولوجيا في تدريس العلوم، مبرزا إمكاناتها الكبيرة في تبسيط المفاهيم المجردة عبر المحاكاة والنمذجة. لكنه في المقابل يحذر من الانبهار غير الواعي بها، مؤكدا أن قيمتها الحقيقية تكمن في توظيفها لخدمة أهداف بيداغوجية دقيقة، دون أن تعوض التجربة العملية المباشرة.
كما يدافع المشروع عن مقاربة تداخل المواد، معتبرا أن العلوم لا ينبغي أن تدرس في عزلة، بل في ارتباط مع مجالات أخرى كالتاريخ والفلسفة والاقتصاد. هذا التوجه يمنح للمعرفة العلمية معناها الحقيقي، ويجعلها أكثر ارتباطا بقضايا المجتمع، مثل التغير المناخي أو الصحة العامة.
ما يميز هذا العمل أيضا هو منهجيته التكوينية، التي تقوم على التفاعل والممارسة، من خلال أوراش تطبيقية وتحليل مواقف تعليمية واقعية. فالمؤلف لا يقدم وصفات جاهزة، بل يراهن على تطوير قدرة المدرس على التكيف مع مختلف السياقات، لأن التدريس في جوهره ممارسة مرنة تتطلب فهما عميقا أكثر من مجرد اتباع خطوات محددة.
في المحصلة، لا يقدم هذا الكتاب مجرد إضافة نظرية إلى مجال التربية، بل يشكل جسرا حقيقيا بين البحث العلمي والممارسة الصفية. إنه دعوة صريحة لإعادة التفكير في دور المدرس، وفي طبيعة التعلم، وفي العلاقة بين المعرفة والمتعلم. عمل موجه لكل من يسعى إلى جعل تدريس العلوم أكثر حيوية ونجاعة، وقادرا على إعداد متعلمين يمتلكون أدوات الفهم والتفكير في عالم متغير.

